د. ماجد الشويلي ||
تسلك المفاوضات النووية بين إيران وأمريكا ممرًا ضيّقا لم تعهده السياسة المألوفة من قبل، مسار يشبه الى حد كبير السير بين جمرٍ يلسع وزمهريرٍ يجمّد. كل خطوة فيه محسوبة، وكل كلمة تُوزن بميزان النار والثلج، مشهد يبدو فيه الجميع على حذر من الحرب… لكنهم يعدون لها العدة بوتيرة متصاعدة.
أمريكا تعيش مفارقة حادّة ؛فهي لا تُخفي رغبتها الاستراتيجية بإضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكنها تعرف في الوقت ذاته أن الحرب ليست طريقًا آمنًا لتحقيق هذا الهدف.
فأمن إسرائيل جوهرة التاج في حساباتها الستراتيجية ، وأي حرب شاملة على إيران قد تنهال كالمقصلة على رأس تل أبيب بدل أن تكون درعًا واقيًا لحمايتها. فالصواريخ التي تطلقها ايران حتما ستدخل الكيان في اختبار وجودي غير مسبوق.
ولهذا، فإن واشنطن تدرك أن إشعال الجبهات مع إيران ليس مجرد مغامرة، بل مقامرة كبرى قد تؤدي الى فقدانها مركز الصدارة في النظام العالمي .
إسرائيل، في المقابل، تبحث عن حربًا “نظيفة”، سريعة، بعيدة عنها وبلا تبعات، وبأقل الخسائر الممكنة طبعًا . تريد من واشنطن أن تُنجز المهمة نيابة عنها، وأن تُقدّم لها نصرًا جاهزًا، بالمجان.
لكن الأمريكيين – رغم ضغوط اليمين الإسرائيلي – يدركون أن تقديم هذا “النصر المجاني” غير ممكن؛ فالحرب مع إيران ليست عملية جراحية محدودة، بل زلزالٌ إقليمي مفتوح.
ولهذا يبدو ترامب _رغم كل مافيه من طيش ونزق واستهتار وأكثر تعقلًا من المؤسسة الإسرائيلية التي رأت أن حبل الزمن يلتف على رقبتها من خلال متغيرات الخريطة الجيوسياسية.
ورغم أن ترامب أصبح عالقًا بين المطرقة والسندان إلا أنه لايخفي رغبته الجامحة بإظهار الشدة تجاه إيران، سواء لحماية إسرائيل أو لجرّ الصين إلى معادلات جديدة في الطاقة والاقتصاد. فإضعاف إيران يعني من منظوره قطع شريان الطاقة الذي تعتمد عليه بكين.
وفي المقابل، فإن زج أمريكا بحرب كبرى أشبه بمن يضع رأسه في أتون النار.
أما إسرائيل، أو بعض أطرافها، فيُنظر إليها – لدى بعض المراقبين – على أنها تريد من ترامب أو أي إدارة أمريكية أخرى أن تُكمل المهمة التي تعجز عنها، في وقت يواجه فيه قادتها تحديات سياسية وقضائية داخلية. وهنا يظهر المشهد كأنه محاولة للهروب إلى الأمام، نحو حربٍ قد لا تحمل نصرًا، بقدر ما تحمل خطرًا وجوديًا على الكيان كله.
في الطرف الآخر، تنظر الصين إلى الميدان بمنظارٍ مختلف.
فهي لا تريد حربًا على أراضيها ولا أزمة طاقة تهدد مصانعها، لكنها تدرك أن حربًا تستنزف أمريكا في الشرق الأوسط ستمنحها قوة ونفوذ اكبر غرب آسيا.
ومع ذلك، تبدو بكين أكثر ثقة بمقدرة إيران على الصمود والبقاء مما تبديه واشنطن من ثقة بقدرة إسرائيل على الصمود.
أما روسيا، فهي الطرف الأكثر انتفاعًا من أي مواجهة واسعة بين طهران وواشنطن. فاندلاع حرب كبيرة سيُخفّف من وطأة الضغوط عليها في ملفات أخرى، وعلى رأسها أوكرانيا، ويمنحها فرصة لإعادة توازنات القوة. إنّ موسكو، ببساطة، ستتنفّس الصعداء إذا انشغل الغرب بحرب الشرق الأوسط.
فخسارة الحرب بالنسبة للولايات المتحدة لن تكون مجرد إخفاق عسكري، بل قد تؤدي إلى هجرة جماعية لشركائها في المنطقة نحو الصين وروسيا.
فهناك دول كثيرة في الشرق الأوسط باتت تُوازن علاقاتها بين الشرق والغرب، وأي اهتزاز في المظلة الأمريكية قد يدفعها إلى البحث عن مظلة أخرى.
اذن المشهد كله شبيه بصخرة تقف على قمة جبل شاهق. ما دامت ثابتة، يمكن ضبطها، ومراقبتها، وإبقاؤها تحت السيطرة.
ولكن…
إذا تدحرجت من الأعلى، فلن يكون بمقدور أحد إيقافها.
وهكذا هي الحرب.
قد تتأخر، قد تُجمَّد، قد تُقايَض في غرف المفاوضات، لكن اندلاعها – إن وقعت – سيجعل الجميع يتفرجون على كرة اللهب تكبر مع كل لفة.
المفاوضات اليوم ليست مجرد حوار نووي، بل ميزان حساس بين بقاء دول واهتزاز كيانات، بين مصالح عظمى وصراعات صغيرة، بين لاعبين يحترقون بالجمر وآخرين يلسعهم الزمهرير.
إنها لحظة تاريخية تقف فيها المنطقة على حافة الاحتمالين؛
نارٌ تحرق الجميع… أو صقيعٌ يجمّد المشهد حتى إشعارٍ آخر.
