أمين السكافي ||
ليست جزيرة إيبيستين مجرد فضيحة أخلاقية عابرة في سجل العالم المعاصر، بل نافذة كاشفة تطلّ على ما هو أعمق وأخطر. هناك، على تلك الجزيرة المعزولة، كُشف الستار عن فظائع ترتكب في الخفاء: استغلال، انتهاك، تحويل الإنسان إلى سلعة، وكل ذلك على يد شخصيات من الصف الأول في عالم السياسة والمال والنفوذ. بشاعة ما جرى هناك لا تكمن فقط في الأفعال نفسها، بل في هوية الفاعلين الذين خلعوا ثوب الإنسانية بكل ما يحتويه من ضمير وأخلاق .
هؤلاء ليسوا مجرمين عاديين في زوايا مظلمة من العالم، بل هم – أو كانوا – أصحاب قرار، صانعي سياسات، من يعتلون المنابر ويتحدثون عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والأخلاق العالمية. المفارقة القاتلة أن الأيدي ذاتها التي امتدت لانتهاك أجساد الضعفاء في جزيرة إيبيستين، هي التي توقّع اليوم على قرارات الحصار، وتشعل الحروب، وتمنح الضوء الأخضر للمجازر والإبادات الجماعية بحق شعوب بأكملها.
ما الرابط بين المكانين؟ الرابط ليس جغرافيًا بل إنسانيًا… أو بالأحرى لا إنسانيًا. من يخلع ثوب الإنسانية في السر، لا يمكن أن يرتديه بصدق في العلن. من اعتاد النظر إلى الإنسان كغنيمة أو أداة متعة أو رقم، لن يتردد في رؤيته لاحقًا كـ«خسائر جانبية» أو «أضرار ضرورية» أو «ثمن لا بد منه».
جزيرة إيبيستين لم تكن استثناءً، بل نموذجًا مكثفًا لأسلوب حياة. هناك، عاشوا حقيقتهم بلا أقنعة، بلا خطابات، بلا كاميرات. وفي السياسة، يمارسون الجوهر ذاته ولكن بلغة مختلفة: لغة المصالح، الأمن القومي، الاستقرار العالمي. الضحية واحدة، وإن اختلف المشهد: إنسان أعزل، بلا صوت، بلا حماية.
حين تُقصف المدن، ويُجوّع الأطفال، وتُباد الشعوب المقهورة، لا يرفّ لهؤلاء جفن. فالقسوة لم تعد قرارًا طارئًا، بل صارت نمط عيش. القلب الذي اعتاد الظلام لا يفزعه الدم. والعين التي ألفت الانتهاك لا ترى في المجزرة سوى خبر عابر.
لهذا، فإن الغضب من جزيرة إيبيستين لا يجب أن يتوقف عند حدود الفضيحة، بل يجب أن يمتد ليشمل النظام الأخلاقي المزيف الذي يحكم هذا العالم. عالم تُدار فيه شؤون البشر بعقلية أقرب إلى وحوش الغابات منها إلى البشر، حيث القوي ينهش الضعيف، ثم يكتب تقريرًا عن ضرورة ذلك.
المشكلة ليست في وحشية ما يحدث فقط، بل في أن من يفعلون ذلك ما زالوا يُقدَّمون كقادة، وحكماء، وحماة للنظام العالمي. أما الحقيقة، فقد انكشفت: حين سقط القناع على تلك الجزيرة، سقط معه وهم الإنسانية الذي طالما باعوه لنا
