جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف من المناورات البحرية إلى الوساطات المسمومة غول الذهب في قلب الصراع الدولي .!

من المناورات البحرية إلى الوساطات المسمومة غول الذهب في قلب الصراع الدولي .!

حجم الخط

 

ميخائيل عوض /  لبنان ||


في لحظة إقليمية ودولية شديدة السيولة، حيث تتقاطع ثلاثة مسارات كبرى: الحرب المفتوحة في غزة، إعادة تموضع القوى الكبرى في مواجهة المشروع الأنجلوساكسوني، والانفجار الصامت للنظام الاقتصادي العالمي مع تصدر مؤشر الذهب كمرآة انهيار.

لا تُقدَّم بوصفها قراءة خبرية آنية، بل باعتبارها تشخيصًا بنيويًا لحالة عالم ينتقل من نظام إلى آخر، ومن توازن إلى فوضى مضبوطة. المفهوم المركزي الذي يحكم الخطاب هو  “اللا‑سلبي”: أي المؤشرات التي لم تبلغ بعد مستوى الإيجابي، لكنها تكسر مسار الانحدار الكامل وتفتح احتمالات.

*أولًا: منهج “اللا‑سلبي” – قراءة في فلسفة التحليل*

المقاربة التحليلية حذِرة، ترفض التفاؤل الساذج كما ترفض السوداوية المطلقة. فالتحليل هنا لا يبحث عن انتصارات نهائية، بل عن تبدلات الاتجاه داخل سياق كارثي عام.

هذا المنهج يتأسس على قاعدتين:

1. التاريخ لا يتحرك بخط مستقيم، بل عبر تذبذبات وحركة حلزونية صاعدة تتقاطع على محاور النابض الحامل لها الحتميات التاريخية، فما حك جلدك مثل ظفرك.

2. في ذروة العتمة تبدأ أولى إشارات الفجر، دون ضمانات.

من هنا، لا تُوصَف التطورات بأنها إيجابية إلا إذا امتلكت قدرة تراكمية واستدامة سياسية وعسكرية واقتصادية.

*ثانيًا: غزة – فتح رفح بين الإغاثة والتطويع*

يعتبر  فتح معبر رفح،  هذا الحدث في خانة اللا‑سلبي لا الإيجابي.

ويقرأ فيه دلالتين.

الدلالة الأولى: تخفيف جزئي لمعاناة إنسانية كارثية، وهو حق لا منّة فيه.

الدلالة الثانية (الأخطر): فتح المعبر يتم بشروط أمنية إسرائيلية، ما يحوّله من ممر إغاثي إلى أداة ضبط وتطويع داخل مسار سياسي أوسع، يعطّله نتنياهو حينًا ويُفعّله حين يخدم أهدافه.

مما يجعلنا أمام نتيجة مفادها أن المعبر ليس مؤشر انفراج، بل ساحة صراع جديدة على معنى “الحل”.

*ثالثًا: أردوغان المكيافيلي والوساطة – حصان طروادة أم إدارة مصالح؟*

فدور أردوغان،  بالفاعل المكيافيلي الوظيفي ضمن المنظومة الأنجلوساكسونية.

السؤال المركزي الذي يطرحه

هل الوساطة التركية بين واشنطن وطهران جسر تهدئة، أم أداة اختراق؟

التحليل يذهب إلى أن أي حرب أمريكية على إيران ستكون كارثية على واشنطن نفسها.

هذا الإدراك بات شبه إجماعي لدى النخب والخبراء.

وبالتالي الوساطة هنا قد لا تكون مبادرة سلام، بل محاولة إدارة الخسائر وتأجيل الانفجار.

فالسقوط في وهم أن إيران يمكن أن تُخدع بسهولة،  لأن الدولة التي صمدت أربعة عقود من العقوبات والحصار لا تُلدغ من الجحر مرتين.

*رابعًا: المناورات البحرية الثلاثية – أكثر من استعراض وأقل من تحالف*

المحور التحليلي الأهم في الحلقة يتمثل في المناورات البحرية الإيرانية‑الروسية‑الصينية.

دلالاتها الاستراتيجية  أنها ليست تحالف دفاعي مشترك، كما أنها بالضرورة ليست إعلان حرب، بل هي إشارة ردع مركّبة.

المناورات تُقرأ بوصفها:

1. إعلان حضور في الممرات الحيوية (هرمز – بحر العرب – المحيط الهندي).

2. رسالة لواشنطن بأن استهداف إيران هو استهداف غير مباشر لمصالح موسكو وبكين.

3. تأكيد أن العالم يتجه إلى تعددية قسرية لا توافقية.

فهناك  خطًا أحمر واضحًا فلا روسيا ولا الصين ستقاتلان بدل إيران. المساندة هنا سياسية، لوجستية، تقنية… لا حروب بالوكالة وهذا منطق الحياة والتاريخ.

*خامسًا: انهيار الأوهام – لا أحد يقاتل عن أحد*

من أهم لحظات المشهد تفكيك أوهام الجماهير حول الحماية الخارجية.  قاعدة تاريخية وأخلاقية:

” ما حكَّ جلدك مثل ظفرك. فقم أنت بجميع أمرك”

الدول، كالأفراد، تتحرك وفق مصالحها. والحروب هي السياسة بوسائل عنيفة. هذا الفهم الواقعي يُسقِط الرهانات العاطفية، ويعيد الصراع إلى قواعده الصلبة.

*سادسًا: سوريا – استقرار هش ومخاطر مؤجلة*

إن الاتفاقات الأخيرة في سوريا (خصوصًا ما يتعلق بوقف الاشتباكات) تُعد تطورًا غير سلبي، لكنها لا ترقى إلى مستوى الاستقرار.

الإيجابي النسبي فيها وقف القتل من الجانبين، خفض منسوب الاشتباك.

أما السلبي البنيوي فهو غياب مشروع وطني جامع، انتهاكات اجتماعية وقيمية، الضغط على المواطنين عبر التدخل في الحريات الشخصية والابتزاز بالاحتياجات الرئيسية كما هو حال فواتير الكهرباء، إضافة إلى

هشاشة الأمن المجتمعي.

الخلاصة  إن سوريا لم تدخل بعد طور التعافي، بل مرحلة إدارة التفكك.

*سابعًا: لبنان – من الانهيار إلى التفكيك الممنهج*

القراءة الأكثر تحذيرا” خُصِّصت للبنان الذي لم يقرأ في أي من أحداثه أي عامل “لا سلبي”.

إن ما يجري لم يعد أزمة مالية أو سياسية، بل مسار تفكيك كياني بسبب الاعتداءات الإسرائيلية الممنهجة، استهداف البنية الاقتصادية وبقدم (الزهراني نموذجًا) يجب أن يبقى حاضرا” في ذهن اللبنانيين لأنه على قائمة أهداف تجار الصفقات ترامب ومجموعته.

إضافة إلى عجز الدولة، شلل القضاء، واستمرار تآكل المؤسسة العسكرية.

الخطير هنا أن الانهيار بات مُدارًا لا عفويًا، في إطار مشروع إقليمي لإعادة رسم الجغرافيا والديموغرافيا.

*ثامنًا: غول الذهب –اقتصاد الانهيار المُدار*

يصل التحليل إلى ذروته مع ملف الذهب.

فالرؤية التحليلية تقرأ ما يشهده الذهب من قفزات حادّة ثم تصحيحات عنيفة ليس حركة سوق طبيعية ولا فقاعة مضاربة عابرة، بل مؤشر بنيوي على دخول النظام الرأسمالي العالمي، بصيغته الليبرالية المالية المتوحشة، مرحلة الشيخوخة والاهتزاز العميق. ارتفاع الذهب إلى مستويات قياسية ثم هبوطه السريع ليس «افتعالًا» بالمعنى السطحي، بل هو انعكاس مباشر لتآكل القيمة الحقيقية للعملات الورقية، وفي مقدمتها الدولار، تحت ضغط التوسع النقدي غير المنضبط وتضخم الديون السيادية والخاصة من دون غطاء.

الذهب هنا لا “يربح” بقدر ما يقوم بوظيفته التاريخية كحافظ للقيمة. فامتلاك أونصة ذهب اليوم لا يعني تحقيق ثروة، بل تثبيت القدرة الشرائية عبر الزمن في مواجهة تآكل العملة. ما يُساء فهمه شعبويًا كـ«ربح سريع» هو في الحقيقة ترجمة لانخفاض قيمة الدولار وسائر العملات، لا صعودًا حقيقيًا للذهب. لذلك فإن حركة الذهب التصاعدية المتدرجة (ذروة عليا، تصحيح، ذروة وسطى، ثم تثبيت أعلى) تعكس مسارًا تاريخيًا معروفًا في لحظات الانهيار النقدي الكبرى .

في هذا السياق، يتحول الذهب إلى «غول» أو «مقص» لا يرحم أصحاب الأعصاب الضعيفة والمضاربين المتعجلين. المضاربة، بوصفها عنصرًا ثانيًا في تسعير الذهب إلى جانب قيمته المادية، تصبح أداة نهب منظم في عالم تهيمن عليه أموال افتراضية هائلة تُضخ وتُسحب بلمسة زر. هنا يستفيد كبار السماسرة، الصناديق، وشبكات المال السياسي صعودًا ونزولًا، فيما يُقصى صغار المدخرين الذين يدخلون اللعبة بلا وعي استراتيجي.

الأخطر أن هذا المسار لا ينفصل عن ما يمكن تسميته «الحرب النقدية العالمية»: إدارة التضخم، تعويم العملات، التلاعب بأسعار السلع الاستراتيجية، ومحاولات خفض القيمة الحقيقية للديون الأمريكية الهائلة (التي تجاوزت عشرات التريليونات) عبر رفع أسعار الأصول الحافظة للقيمة ثم إعادة تدويرها.

فالعملات المشفّرة،الأوهام الرقمية، والأخطر السمسرة المقنّعة بالنصح، العملات المشفّرة تدخل هنا كأداة جذب ثم تبديد، لا كبديل آمن، ضمن عملية إفلاس مقنّعة تُحمَّل كلفتها للأفراد لا للنظام.

الخلاصة التي يمكن استنتاجها إن تذبذب الذهب ليس حدثًا ماليًا منعزلًا، بل علامة إنذار متقدمة على تفكك نظام نقدي عالمي قائم على الوهم، وعلى انتقال البشرية إلى مرحلة صراع مفتوح على القيمة الحقيقية: من يملكها، ومن يطبعها، ومن يدفع ثمن انهيارها.

العالم على حافة التحوّل

ليست إنذارًا فقط، بل دعوة للفهم بأن

العالم يدخل مرحلة ما بعد النظام حيث لا انتصارات نظيفة ولا هزائم نهائية.

بل صراع طويل على إعادة تعريف القوة، والقيمة، والسيادة.

في هذا السياق، يصبح الوعي أخطر من السلاح، ويغدو الفهم الاستراتيجي شرط النجاة الأول.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال