جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف تفكّك الردع الغربي.. من وهم الحصون إلى منطق الحذر..!

تفكّك الردع الغربي.. من وهم الحصون إلى منطق الحذر..!

حجم الخط

 


د. سوزان زين ||

ما جرى خلال الأسابيع الماضية، كان لحظة كاشفة لإنهيار أحد أعمدة النظام الدولي: «الردع العسكري الغربي».

فالوقائع الميدانية التي تكشّفت، ولا سيّما في ما عُرف بحرب الأيام الاثني عشر، أسقطت سردية التفوق الدفاعي التي بُنيت عليها الهيبة العسكرية الغربية لعقود، ووضعت العقل الاستراتيجي الأميركي أمام معادلة جديدة.

في حرب الأيام الإثني عشر على إيران، سقط القناع الغربي، صاروخ إيراني واحد أُطلق منفرداً، اخترق شبكة دفاعية تُعدّ الأضخم والأغلى في تاريخ البشرية.

لا إغراق عددي، ولا أسراب تشويش، ولا مسرح خداع معقّد، مجرد صاروخ، فانهارت الأسطورة.

منظومات صُرفت عليها مئات المليارات، وشُيّدت حولها عقيدة التفوق الغربي، ظهرت عاجزة أمام حقيقة ميدانية بسيطة وصادمة:

«الدفاع لم يعد يحمي».

وقبل أن يحدّثنا أحد عن الحرب القادمة ووهم حاملات الطائرات، لا بدّ من طرح سؤال بديهي:

من رأى هذا الصاروخ بعينه، كيف يُطلب منه أن يصدّق أن إيران تمتلك فرطاً صوتياً أرض–أرض، وتعجز عن امتلاك نظيره أرض–بحر؟

أيّ عقل عسكري يقبل بهذه الرواية؟

امتلاك تقنيات المحرّك والتوجيه والاختراق، يعني أن البرّ والبحر في ميزان القدرة سيّان،

وحاملات الطائرات التي تشكّل جوهر الهيبة الأميركية، ستتحول من أداة ردع تاريخية إلى قبور عائمة لخمسة آلاف جندي أمريكي.

ولو كان في هذا العالم إعلام لا يعمل بوظيفة التغطية على الفشل الغربي، لكانت الصواريخ الإيرانية حديث الكوكب، لأنها أعلنت نهاية وهم السيطرة المطلقة، ونهاية فكرة أن الغرب قادر على شنّ الحروب من دون أن يدفع الثمن على أرضه أو قواعده أو أساطيله.

قدّم القرآن الكريم تشخيصاً نفسياً دقيقاً لسلوك الأعداء في لحظات العجز والانكشاف:

﴿لا يُقاتِلونكم جميعاً إلا في قرىً محصّنة أو من وراء جدر﴾

وفي المرحلة السابقة، اندفعوا إلى حافة المواجهة وهم يعتقدون أن منظومات “ثاد” و“آرو” تمثّل حصنهم الحصين، لكن النتيجة لخّصها القرآن بدقة مرعبة:

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ﴾

الرعب وحده هو ميزان التوازن الحقيقي، وهو ما يُذلّ الإمبراطوريات حين تسقط أساطيرها.

ومن هنا يمكن فهم التردّد الراهن، فما نشهده اليوم ليس دبلوماسية سلام، ولا ضبط نفس أخلاقي، بل اعتراف غير معلن بتغيّر ميزان الردع.

لا حلول سحرية لديهم، ولا منظومات جديدة تمنع الإذلال القادم، لذلك يتراجعون، يهددون لفظياً، ويُديرون الأزمة بدل خوض الحرب، لأنهم يعرفون تماماً أن أي مواجهة مفتوحة ستنتهي بصورة لا يستطيع الغرب تحمّلها، وعندما يصل النرجسيّ الأحمق إلى هذه النقطة، يصبح التهريج سلاحه الأخير.

وإن كان الحذر واجباً، فليس لأن ميزان الردع لم يتغيّر، بل لأن العدو قد يجمع بين الغدر والغباء في آنٍ واحد، إذ كثيراً ما تنقلب المعادلات بقرارات نرجسية، أو اندفاعات يائسة، أو رهانات خاطئة على ضربة أخيرة يُراد لها أن تعيد هيبةً مفقودة.

وهنا تحديداً يبرز التحذير العلوي الدقيق في عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) لمالك الأشتر:

«…ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفّل فخذ بالحزم».


التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال