كوثر العزاوي ||
مع إشراقة ذكرى مولد النور الأقدس، نُوَدِّعُ أيامًا مضت وليالٍ تصرمت، نستقبل فصلًا آخرًا على أبواب شهر الرحمة وسيمضي حتمًا! ونحن بين هذا وذاك ننتظر طلعتك البهية.
ذكريات رحلت وأحلامٌ تبدّدت، تطلّعات تأرجحت بين السلب والأيجاب والخوف والرجاء، أماني غرَبت مع شمس الأصيل، أرواح نأت بعهودها في هدأة الليل، كأنها لم تكن في خط المسير.
إخفاقات بلا عزاء، وارتقاء بلا ثناء، ويقيني أنّ كل ذلك لايخلو من حكمة تستبطن لطفًا يُهوِّن الخطوب. ومع كلّ خَطْبٍ ووجع يتضاءل الحزن ويتضاعف الأمل، كلّما مثُلت أمامنا سيدة الأماني وأميرة الأحلام! أمنية بلا أغيار، هي الغاية والمنى بمعانيها القدسية، أمنية حضورك بعد الظهور سيدي، بعد عناءات وجراحٍ وانتظار.
وفي كلّ صباح بين سطور العهد، نراها تتجلّى، وفي كل محطةِ إخفاقٍ ولحظة انكسار، تنحني أمنياتنا خاشعة متَمتِمة:
ياأمل المستضعفين! ياحُلمَ الحيارى الهائمين، ياأمنيةً اختزلت كل حنينِ السنين، فما بين صبر وانتظار،
تغاديك الروح وتراوحك بواهن الصوت والأنين، أيها القادم عبر مسافات الزمن الرهين، أيُّها الصاحِب الرؤوف، أعِرنا لحظةَ لطفٍ من طَرْف عينيَك في ليلة مولدِ نورك الأبهى، واصفح واصغِ لنجاوى يتاماك، فنحن بين الغربة والوحشة، يكاد العالَم يتحوّل الى ضجيجٍ كأننا في وادٍ سحيق، يعيد الصدى من بعيد.
وها نحن في شدة وبلاء، منّا الغافل ومنّا المستفيق، ومنّا الشقيُّ ومنّا السعيد، وجُلّ الناس يتيهُ في زحم الشبهات والزعيق، ولا شيءَ يدعو للسكينة والهدوء.
فمتى تنتهي خطوات الصبر بتحقيق الوصل، أم متى ينجلي السحاب وينقضي الغياب! فأطوَلُ الفصول فصولُ انتظارك سيدي.
ليت شعري..أيّ محطة تنتهي عندها آخر سطور اللوعة لقصة الإنتظار! فوالله تُقْنا لفصلٍ لا فقد فيه ولا احتضار، حياة عدل وانتصار، ونور يضيء الأنام بكفِّ وعدِ الله، ليبدِّدَ الظلام ويُحي الارض بعد موتها، وتورِق الأرواح التوّاقة لنور الله، المجسَّد في محيّاك ياحجة الله.
نعم، قد يطول انتظارنا لفجرك الوضّاء والعلم عند الله، لكننا صابرون، وستبقى أيدينا ممتدة نحو ألطاف البارئ وكرمه غير المنقطع، حتى تصافح أرواحنا يدك البيضاء، لتَهبَ البيعةَ خالصةً طائعة.
وحتى ذلك الأوان، سأعلن الصمت وأُسكِتُ البيان، فلم يَعد البوح مُجديًا، وبعضُ آلآم الحياة ليس لها إلاَّ الصمت، سأكتفي بالأمل والدعاء،
وأرخي الجوانح على صوتٍ يهمس في أذُنِ الصباح كلّ يوم بُعيْدَ “العجل العجل”، فتسكنُ النفس إلى حين انقضاء الأجل، وتستشعر الروح بوجعِ اليقين حقيقة: بأنّ الغدَ لامحالة آت، وكلّ آتٍ قريب.
فيا أصدق صاحبٍ وقريب، أعنّا على وعثاء المسير، حينما تطول مسافات الطريق، والله المستعان. ياأملي الموعود.
