حسين الذكر ||
( العقل السليم في الجسد السليم ) .. عبارة مهمة تعلمناها منذ الصغر وتناقلناها على الالسن دون الخوض بتفاصيلها العميقة اذا اقتصر تعاطينا على الاعجاب اللفظي كشعار ( الامثال تضرب ولا تقاس ) التي رسخت في عقلنا الباطن على انها مجرد مقولات تشبه التقديس شريطة ان لا تترجم واقعيا .
يُقسم سقراط المجتمع الى ( عقل في الراس وقوة في العضلات وروح في القلب ) والعقل للقيادة والعضلات اداة تنفيذ والقلب لصناعة الحضارة .. وقد ادرك العالم المستعمر على طوال خط التاريخ تلك التقسيمات واخذ على عاتقه البناء من خلالها فيما ترجمه حرفيا بسياساته اتجاه المستعمرات وكل عدوا او منافسا استراتيجي محتمل ولو بحقب زمانية لاحقة .
فحرص على وصول اهل العقل للسلطة داخليا فيما سخر كل قواه لتسخيف عقل الاخر .. مجرد صمود اي بلد ما في وجهه وعدم خضوعه لهيمنته يعمل جاهدا لضرب الراس مصدر العقل كي يشل الجسد المؤسساتي وتسهل مهمة النفاذ الجرثومي الى مراكزه المهمة حتى يغدو كيانا مريضا بحتمية ضرب العقل والعضلة والروح بترجمان رائع لمقولة ( العقل السليم في الجسد السليم ) .
العقل الاستعماري المذهل – منذ الاف السنين – يحمي مصالحه المبنية اصلا على تطوير صناعاته وترسيخ ثقافة التبيعة والاستهلاك لدى جميع منافسيه الذين لا يهتم اطلاقا بلونهم او اسمهم او عقائدهم .. الاهم عنده تطبيق سياساته وتحقيق مصالحه الاستراتيجية وضمان استدامتها الابدية .
وقد اتخذ من تفكيك المجتمعات التي تقع ضمن دائرة اهتماماته – وذلك من سوء حظ شعوبها وقدرها السيء- هدفا رئيسيا لضرب العقل وشل العضلة وتشتيت شفافية الروح عبر مراحل معينة .
اول مرحلة وأخطرها تبدا بالتفكيك الاخلاقي بمدة حددوها من 15 الى 20 سنة – حسب محاضرة متداولة ومنشورة اعلاميا وبحثيا – وهذا هو الوقت اللازم والمطلوب لتنشئة جيل على مباديء و تعاليم معينة تهيئه الى التفكك الطبيعي معززا بخطة تدار بافضل العقول المتخصصة .
اولا تدمير الدين .. فمعلمهم يوصي قائلا : ( اسخر من الدين .. كل طقوسه ورموزه .. استبدله بمجموعة طوائف واختلق عدد من الجماعات الدينية التي تحمل ذات الاسماء والعناوين المشابهة لكن توجهاتها مختلفة عن جوهر اعتقاداتهم .. شجع لديهم الميول الجنسية كاخطر مفكك ومؤثر على العقائد .. اسقط هيبة رموزهم الدينية بكل صورة ..
ابعد انتباه الناس باي طريقة عن الدين واشغلهم بامور اخرى .. الاهم ان لا يبقى الناس مرتبطين بقيم اخلاقية عليا فطالما يحدث ذلك سيؤدي الى تآكل بطيء للعقيدة الدينية المعتادة وحينما تتمكنوا من ابعاد الناس عن العقل القيمي تكون الاجواء مهيأة للانتقال الى المرحلة الثانية .
وهي مرحلة استبدال المنظمات الدينية التقليدية بمنظمات اخرى مزيفة ليس لها علاقة بالدين الا من ناحية الشكل .. حتى يتم صرف الناس عن مصادر ايمانهم التقليدي واشغالهم بمعتقدات عدة متضاربة قادرة على خلط الاوراق وضرب مصادر الوعي وخلق حالة من الاهتزاز وعدم الثقة والتيه وهذا هو المطلوب ..
ثم ابدأوا بضرب التعليم : ( ابعدوهم عن التعلم المفيد الفعال الذي يصب بخدمتهم وتماسهم العام .. اصرفوهم عن تعمل الرياضيات والفيزياء والكيمياء والاحياء والفنون والثقافة والفكر واللغات الاجنبية .. شجعوهم على اشغال انفسهم بتعلم تاريخ الحروب الحديثة والقديمة وصناعة الاطعمة النباتية وديكورات المنازل ..
شجعوا سيادة الفن الرخيص والمحتوى الهابط اضربوا قيمهم الفنية والثقافية والفكرية واستبدلوهم بمصادر تعميم السخف واشباه المتعلمين سيما اولئك المفتونين بحب الذات والنرجسية والتقليد الاعمى وبائعي الضمير وعديمي الكرامة والشخصية من بيئة وضيعة ونكرة ..
انزعوا المبادرة من الناس ابعدوهم عن اي صلة بالروابط الاجتماعية والواجبات الاخلاقية لا تسمحوا باقامة اي علاقات طبيعية اجتماعية واسرية استبدلوها ببديل تخريبي هدام .. اصنعوا كيانات ومجموعات تافهة حتى وان لم يعرفهم او يحبهم احد احرصوا على صناعتهم انموذجيا فهم راس مالنا الحقيقي هذه القاذورات التي تفتك بلدانها وتفكك مجتمعاتها دون وازع ضمير هي اساس كل نجاح نصيبه ..
ليس مهم ان يحبهم الناس الاهم ان يكونوا موجودين مؤثرين في الشارع لا يعرف مصدرهم ومن ورائهم ومن انتخبهم فهم سلاحنا المعطل لكل اصلاح جاد .
المهم اختراق عقول الراي العام كقوة احتكارية تقدر ان تقرر بدل عن المجتمع ما هو الخير وما هو الشر .. ثم لاحقا هم سيكون قادة المجتمع الذي نريد واصحاب الراي والسلطة الفعلية المؤثرة وعند ذاك ينتهي الوطن والمجتمع ..
