قاسم الغراوي ||
لم تعد المواجهة الجارية في الشرق الأوسط مجرد جولة عسكرية عابرة بين خصوم تقليديين، بل تحوّلت تدريجياً إلى صراع على قواعد النظام الإقليمي نفسه. ففي خضم التصعيد الحالي، تحاول إيران أن تثبت أنها لم تعد مجرد دولة تدافع عن حدودها، بل قوة إقليمية قادرة على فرض معادلة ردع جديدة وإعادة صياغة توازنات القوة في المنطقة.
هذا التحول يضع الولايات المتحدة أمام سؤال استراتيجي صعب:
هل تتكيّف مع واقع إقليمي جديد تتراجع فيه قدرتها على الهيمنة المباشرة، أم تحاول كسر هذه المعادلة قبل أن تترسخ؟
منذ نهاية الحرب الباردة، قامت الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط على مبدأ واضح: منع ظهور قوة إقليمية مهيمنة يمكنها تحدي النفوذ الأمريكي. وقد خاضت واشنطن خلال العقود الماضية حروباً وتدخلات عسكرية بهدف الحفاظ على هذا التوازن.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن إيران تسعى إلى تغيير هذه القاعدة. فهي لا تعتمد فقط على قوتها العسكرية التقليدية، بل على شبكة من التحالفات والفاعلين الإقليميين، إضافة إلى قدرات صاروخية وتقنيات حرب غير متماثلة جعلت كلفة المواجهة معها مرتفعة للغاية.
بعبارة أخرى، تحاول طهران فرض معادلة جديدة مفادها: أي حرب عليها ستتحول إلى حرب إقليمية واسعة.
رغم أن الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر في العالم، إلا أن قدرتها على فرض إرادتها في الشرق الأوسط لم تعد كما كانت قبل عقدين. فالتجارب العسكرية الطويلة في العراق وأفغانستان استنزفت الإرادة السياسية للحروب الكبرى، كما أن واشنطن باتت تنظر إلى آسيا ومنافسة الصين باعتبارها التحدي الاستراتيجي الأهم.
هذا التحول الاستراتيجي خلق فراغاً نسبياً في المنطقة، حاولت قوى عدة ملأه، وفي مقدمتها إيران.
لكن المشكلة بالنسبة لواشنطن ليست في وجود نفوذ إيراني بحد ذاته، بل في تحوله إلى نظام ردع مستقر يمنع الولايات المتحدة من استخدام القوة بحرية كما في السابق.
التاريخ الأمريكي يُظهر أن واشنطن حين تشعر بأن توازن القوى يميل ضدها قد تلجأ إلى خطوات حاسمة لإعادة رسم المعادلة. المثال الأكثر شهرة كان خلال الحرب العالمية الثانية عندما استخدمت الولايات المتحدة السلاح النووي ضد اليابان في قصف هيروشيما الذري، في خطوة هدفت إلى حسم الحرب سريعاً وإعادة ترتيب ميزان القوة العالمي.
لكن العالم اليوم مختلف جذرياً عن عالم 1945. فالنظام الدولي أصبح أكثر تعقيداً، وأي حرب كبرى في الشرق الأوسط قد تشعل سلسلة من الصراعات المتشابكة التي يصعب السيطرة عليها.
لذلك فإن خيار كسر القواعد بالقوة الشاملة يبدو مكلفاً وخطيراً للغاية.
اما الاحتمال الأكثر واقعية والأرجح أن تشهد المنطقة مرحلة طويلة من التوازن المتوتر.
ستحاول إيران تثبيت موقعها كقوة ردع إقليمية، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى احتواء هذا الصعود ومنعه من التحول إلى هيمنة كاملة.
في هذا السياق، لن تكون المعركة الحقيقية عسكرية فقط، بل سياسية واقتصادية وإعلامية أيضاً، لأن الصراع يدور حول من يحدد قواعد النظام الإقليمي الجديد.
الشرق الأوسط يقف اليوم عند لحظة تحول تاريخية ، فإذا نجحت إيران في تثبيت معادلة ردع مستقرة، فإن ذلك قد يعني نهاية مرحلة طويلة من الهيمنة الأمريكية المطلقة في المنطقة وأما إذا قررت واشنطن كسر هذه المعادلة قبل ترسخها، فقد تدخل المنطقة مرحلة من الصراع المفتوح يصعب التنبؤ بنتائجها.
وبين هذين الخيارين يبقى السؤال الكبير:
هل نشهد ولادة توازن قوى جديد في الشرق الأوسط، أم أن الصراع لم يصل بعد إلى ذروته؟
