يونس الكعبي ||
بينما تنشغل الأنظار بالجبهات المشتعلة ، برز أنصار الله (الحوثيون) كلاعب أقليمي يسعى لفرض معادلة جديدة في الصراع الحالي. لم يعد التدخل الحوثي مجرد شعارات ، بل تحول إلى فعل عسكري يمتد من صواريخ عابرة للحدود إلى تهديدات مباشرة للملاحة الدولية.
يسعى الحوثيون من خلال دخولهم خط المواجهة إلى تحقيق عدة أهداف:
– تشتيت الدفاعات الجوية من خلال محاولة أشغال المنظومات الدفاعية (مثل آرو ، وفيتاد ، والمدمرات الأمريكية) لتقليل فاعليتها على جبهات أخرى.
– الضغط الأقتصادي من خلال أستخدام الموقع الجغرافي لليمن كأداة ضغط على القوى الدولية الداعمة لأسرائيل.
– تعزيز الشرعية الشعبية وترسيخ صورتهم كقوة مقاومة فاعلة في المحور الإقليمي.
تطورت القدرات العسكرية للحوثيون بشكل لافت خلال سنوات الحرب اليمنية لتشمل الصواريخ الباليستية والمجنحة ، مثل صاروخ “طوفان” الذي يصل مداه إلى 2000 كم وصواريخ “قدس” الجوالة.
في مجال الطائرات المسيرة (الدرونز) ، يمتلك الحوثيون أسراباً من مسيرات “صماد – 3” و “وعيد” الأنتحارية ، وهي سلاح رخيص التكلفة ويصعب أعتراضه أحياناً بسبب طيرانه المنخفض.
أما في مجال القوة البحرية ، فهم يمتلكون ألغاماً بحرية متطورة ، وزوارق أنتحارية مسيرة عن بعد ، وصواريخ بر – بحر قادرة على أستهداف قطع بحرية على مسافات واسعة.
لغز باب المندب!!:
يعد مضيق باب المندب عنق الزجاجة للتجارة العالمية ، حيث يمر عبره حوالي 10% من إجمالي التجارة البحرية.
ويمتلك الحوثيون القدرة على عرقلة الملاحة أو أستهداف سفن محددة (المرتبطة بأسرائيل أو حلفائها).
أغلاق المضيق تماماً يعد خطاً أحمراً دولياً ، قد يؤدي إلى تدخل عسكري مباشر من تحالفات دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية ، لذا من المرجح أن يكتفي الحوثيون بالمضايقات المؤثرة بدلاً من الأغلاق الشامل.
دخول الحوثيون إلى ساحة المعركة لايعني بالضرورة حسم الصراع عسكرياً ، لكنه يغير جغرافيا التهديد . فأسرائيل الآن مضطرة لتأمين جبهتها الجنوبية (إيلات والبحر الأحمر) بنفس الدرجة التي تؤمن بها جبهاتها الشمالية والداخلية . هذا التوسع الجغرافي يستنزف الموارد الدفاعية والمالية للخصوم.
تشير التوقعات للأيام القادمة إلى أن المعركة متجهة إلى تصعيد محسوب ، فقد نشهد هجمات بطائرات مسيرة متكررة لمحاولة أختراق العمق الأسرائيلي لأختبار ثغرات الدفاع الجوي ، وهذا ما نجحت فيه اليمن سابقاً بإرسال مسيرات إلى عمق أسرائيل ، وهناك أحتمال لأستهداف سفن شحن أو ناقلات نفطية في البحر الأحمر لخلق حالة من الأرتباك في الأسواق العالمية ، وهذا بدوره يزيد أحتمالية قيام واشنطن أو حلفائها بضربات جراحية لمواقع الأطلاق داخل اليمن لمحاولة ردع هذه الصواريخ.
تظل فاعلية هذا التدخل مرتبطة بمدى التنسيق داخل محور المقاومة وقدرة الحوثيين على الصمود أمام الضغوط الدبلوماسية والعسكرية التي بدأت تتشكل في البحر الأحمر.
من الناحية السياسية ، يعد دخول الحوثيين في المواجهة الحالية سلاحاً ذا حدين ؛ فبينما يهدف الضغط العسكري إلى أجبار الأطراف الدولية على السعي لوقف الحرب ، إلا إنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً.
تعتمد الرؤية السياسية للحوثيين ومن خلفهم محور المقاومة على أن أستهداف المصالح الأقتصادية (الملاحة في البحر الأحمر) سيجعل كلفة أستمرار الحرب باهضة جداً على المجتمع الدولي ، وخاصة الدول الأوربية. فعندما تتأثر سلاسل الأمداد وترتفع أسعار النفط والتأمين ، ستمارس العواصم الكبرى ضغوطاً حقيقية على أسرائيل وحلفائها لأنهاء الصراع لتجنب ركود أقتصادي عالمي. وقد يسهم التدخل في تعجيل البحث عن مخرج سياسي.
يرسخ دخول الحوثيين بهذا الشكل مفهوم وحدة الساحات لمحور المقاومة ، وهو ما يجعل أي مفاوضات مستقبلية لوقف الحرب مترابطة ، بمعنى أن الحوثيين أعلنوا صراحة أن هجماتهم لن تتوقف إلا بوقف الحرب في غزة أو الجبهات الأخرى ، هذا الربط السياسي قد يعقد المفاوضات لأنه يجعل التوصل لاتفاق يتطلب موافقة أطراف متعددة في آن واحد ، بدلاً من حل كل جبهة على حدة.
أذا رأت واشنطن وأسرائيل أن التهديد الحوثي لايمكن أحتوائه بالدفاع فقط ، فقد تنتقل المعركة مع الحوثيين إلى ضربات أستباقية داخل اليمن بشكل أوسع مما كان عليه في السابق وقد تستهدف البنى التحتية المتهالكة هي أصلاً بسبب الحروب المتلاحقة ، مما يحول اليمن إلى ساحة حرب رئيسية ومباشرة بدلاً من كونها جبهة أسناد.
