طه حسن الأركوازي ||
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد ، حيث تتقاطع مسارات التصعيد العسكري مع قنوات التهدئة الدبلوماسية ، تبرز العاصمة الباكستانية إسلام آباد كمسرح لتحرك سياسي رباعي يضم “باكستان والسعودية وتركيا ومصر” .
هذا الاجتماع لا يأتي بوصفه لقاءاً بروتوكولياً ، بل كمحاولة محسوبة لإعادة ضبط إيقاع أزمة تتسع رقعتها بفعل الحرب الدائرة في المنطقة ، والتي تتشابك فيها أدوار الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران ، ضمن مُعادلة مفتوحة على أحتمالات التصعيد والانفراج في آنٍ معاً .
التحرك الرباعي يعكس إدراكاً مُتزايداً لدى هذه الدول بأن أستمرار الحرب دون ضوابط سيؤدي إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بطريقة قد تخرج عن السيطرة ، خصوصاً في ظل تآكل قنوات الاتصال المُباشر بين واشنطن وطهران ،
هنا تحاول باكستان أستثمار موقعها الجيوسياسي وعلاقاتها المُتوازنة نسبياً مع الأطراف المُتصارعة لتؤدي دور “قناة خلفية” لنقل الرسائل ، وهو دور سبق أن أشار إليه عدد من مراكز الدراسات الدولية مثل “مجموعة الأزمات الدولية” و“معهد الشرق الأوسط” ، اللذين يُؤكدان أن الوساطات غير العلنية غالباً ما تكون المدخل الوحيد لتفادي الانزلاق نحو مواجهات أوسع .
تاريخياً ، تمتلك إسلام آباد أدوات محدودة لكنها فعّالة في هذا السياق ، فهي تحافظ على علاقات مُستقرة مع طهران ، وفي الوقت ذاته ترتبط بشبكة مصالح أستراتيجية مع دول الخليج ، فضلاً عن قنوات تواصل قائمة مع واشنطن خاصة في ظل العلاقة الشخصية التي نسجها رئيس الوزراء “شهباز شريف” وقائد الجيش “عاصم منير” مع الإدارة الأميركية ، هذا التوازن يمنح باكستان هامش حركة ، لكنه لا يرقى إلى مُستوى القُدرة على فرض حلول ، بل يضعها في موقع “المُسهل” أكثر من “الضامن”.
تم نقل مكان الاجتماع من تركيا إلى باكستان لم يكن تفصيلاً لوجستياً بقدر ما يعكُس تحوّلاً في مركز الثقل الدبلوماسي .
فأنقرة ، رغم حضورها الإقليمي ، لكنها تواجه حسابات مُعقدة في ظل علاقتها المُتشابكة مع كُل من واشنطن وموسكو ، بينما تبدو إسلام آباد أقل أنخراطاً مُباشراً في مسارح الصراع ، ما يمنحها هامشاً أوسع للتحرك كوسيط مقبول نسبياً .
هذا التغيير يعكس أيضاً رغبة ضمنية في تحييد الضغوط السياسية والإعلامية التي قد تُرافق عقد مثل هذه الاجتماعات في عواصم أكثر أنكشافاً .
في المقابل ، يكتسب الحديث عن أحتمال عقد لقاء مباشر بين ممثلين عن “الولايات المتحدة وإيران على هامش هذا الاجتماع أهمية خاصة رغم غياب التأكيدات الرسمية ، فالمؤشرات الصادرة عن بعض الدوائر الأوروبية ، ومنها تصريحات وزير الخارجية الألماني ، توحي بوجود حراك خلف الكواليس ، يتقاطع مع تقارير عن تبادل رسائل غير مُباشرة بين طهران وواشنطن عبر قنوات متعددة من بينها “باكستان” غير أن هذه المُؤشرات تبقى محكُومة بسقف سياسي مُنخفض ، في ظل إصرار إيران على عدم الانخراط في مفاوضات علنية ، وأستمرار الولايات المتحدة في تبني مُقاربة “الضغط المشروط بالتفاوض”.
على مستوى أوسع لا يمكن فصل التحرك الرباعي هذا عن طبيعة الحرب الدائرة ، والتي لم تعد مُجرد مُواجهة عسكرية ، بل تحولت إلى أختبار لإرادة النفوذ وإعادة رسم خرائط التأثير في الشرق الأوسط ، فالتصعيد الذي تقُوده الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران ، سواء بشكل مُباشر أو عبر أدوات مُتعددة ، يُقابله سعي إيراني لإدارة المواجهة دون الانجرار إلى حرب شاملة ، مع الحفاظ على أوراق الردع الإقليمي .
وفي هذا السياق ، تصبح أي مُبادرة دبلوماسية مهما كانت محدودة ، جُزءاً من معركة موازية تدور خلف خطوط النار .
ختاماً .. وفق المعطيات على ساحة الصراع ، إذ لا يبدو أن أجتماع “إسلام آباد” سيُحدث أختراقاً حاسماً في مسار الأزمة ، لكنه قد ينجح في تحقيق هدف أكثر واقعية يتمثل في منع الانفجار الشامل ، وفتح نوافذ أتصال غير مُباشرة ، ما تحتاجه هذه الجهود هو الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها ، وهو أمر يتطلب إرادة سياسية دولية تتجاوز الحسابات التكتيكية الضيقة .
أما على مستوى الدول المشاركة ، فإن الحفاظ على الحياد الإيجابي ، وتعزيز أدوات الوساطة المهنية بعيداً عن الاصطفافات الحادة ، يبقى الخيار الأكثر جدوى في بيئة إقليمية تتآكل فيها فُرص الاستقرار بسرعة …!
