محمد صادق الحسيني ||
هام جداً لكل من يهمه الأمر.
*يقولون: “لماذا دخلتم حربَهم؟” وكأنَّ الحربَ اختيارٌ كشراءِ الثياب، أو كأنَّ النجاةَ في هذا العالم تُنالُ بالاستعفاء! يا سادة، نحنُ في اليمن لا نقرأُ الخرائطَ بعيونِ الطائفية، بل بعيونِ “المظلمة”. الدافعُ الذي حركنا وأخرجَ صرختنا وصواريخنا لنصرة “غزة” هو ذاتُه الذي يُحركُنا اليوم؛ إنها “أخوةُ الدين ووحدة القضية” التي تسبقُ “الأيديولوجيا”، والقضيةُ التي لا تقبلُ القسمةَ على اثنين.*
*نحنُ مع كلِّ جبهةٍ تُعادي أمريكا وإسرائيل، ولو كانت في أقصى الأرض، بصرفِ النظر عن لونِ رايتها أو لحنِ صلاتها؛ فالمظلومُ لا يُسألُ عن مذهبه حين يُذبح، والناصرُ لا يُستفتى في طائفته حين يهبُّ للنجدة.*
*والأمرُ الثاني.. أنه في الوقتِ الذي كانت فيه “العروبةُ المُستعارة” تُمطرنا بالنار، وتُحاصرنا بالجوع، كانت إيرانُ الإسلام وحدها تقفُ في صفِّنا وتتضامن معنا. واليوم، والعدوُّ الواحدُ يستفردُ بها خدمةً للمشروع الصهيوني، أيكونُ من المروءةِ أن نتركَ اليدَ التي ساندتنا تُقطع؟ لا والله. فالوفاءُ عندنا دين، والسياسةُ التي لا أخلاقَ فيها هي محضُ “قوادةٍ” دولية لا نرتضيها لأنفسنا.*
*ثمَّ تعالوا لنحكي في العقلِ العسكري ومن باب المصلحة ومن خلال التجربة: لقد كان لنا رأيٌ صدعنا به، أن استفراد العدو بجبهةٍ دون أخرى هو “خديعة العصر”. عتبنا على حلفائنا حين آثروا التريث في “طوفان الأقصى”، ونبهناهم أن المحور إما أن يحترق معاً أو ينتصر معاً.. والآن، أتريدون منا أن نرتكبَ ذاتَ الخطأ؟ أن ننتظرَ حتى تأتي النوبةُ علينا فنؤكل كما أُكل “الثورُ الأبيض”؟*
*لا والله! الحكمةُ تقتضي أن تُخاضَ المعاركُ جملةً واحدة. إيرانُ التي تُحاصَرُ اليوم تُحاصَرُ لأجل فلسطين، والعربُ الذين يتفرجون اليوم سيبكون غداً حين يطرقُ الإسرائيليُّ أبوابَ عواصمهم، وحينها سيقولون لنا: “بيض الله وجوهكم.. لقد أصبتم وأخطأنا، وأقدمتم وجمجمنا، فبقيتم وانتهينا”. مع أن الإسرائيلي يصرح لهم ويفصح لهم ويذكر دولاً بعينها أنها ستكون التالية بعد إيران، ومع هذا لم تعمل شيئاً لدرء هذا الخطر الداهم والقادم؛ ولهذا كان من الحكمة ومن المصلحة ومن الكياسة والسياسة ومن المنطلق العسكري والأمني هو الدخول في هذه الحرب بكل ما ذكرته من اعتبارات منطقية وعسكرية.*
*يا هؤلاء.. العارُ ليس في التوحد والتحالف مع أخ مسلم ودولة إسلامية، بل العارُ في الارتهان والخضوع والانبطاح لعدو صريح أخبرنا الله أنه أشد الناس عداوة لنا كمؤمنين. أيعيبون علينا حلفاً مع “محور المقاومة” وهم يرتجفون في أحضانِ أمريكا؟*
*نحنُ اعتصمنا بالله وتحركنا تحت راية الإسلام وتحصنَّا بالقرآن من “مرض الطائفية”، فنصرنا “غزة السنية” كما ننصر “طهران الشيعية”؛ لأنَّ العدوَّ لا يفرقُ في قنابله بين سني وشيعي، هو يكرهُ “الإسلام” فينا جميعاً. حربُهم علينا “دينية” و”وجودية”، فليكن ردُّنا إيمانياً وإنسانياً ونقاتلهم كافة كما يقاتلونا كافة.*
*ثم إننا في ولائنا وعدائنا البوصلةُ واضحة؛ نحنُ لا نُعادي الجغرافيا ولا الأسماء. لو أنَّ السعوديةَ وقفت اليوم موقفاً واحداً يُعادي أمريكا وإسرائيل ويحمي مقدساتِ الأمة، لكانت سيوفُنا في خدمتِها قبل غيرها. نحنُ بوصلتُنا “القدس”، فمَن اتجهَ نحوها فهو أخٌ لنا، ومَن مالَ عنها.. فلا يلومَنَّ إلا نفسه.*
*ولشعوب المنطقة نقول: إنَّ الموقفَ اليومَ وفي خضم هذه المواجهة لم يعدْ يحتملُ الرمادية، والحيادَ في معاركِ الوجودِ ليس إلا خيانةً مُقنَّعة. نحن في اليمنِ لم نخترْ هذه الحربَ ترفاً، ولم نذهبْ للحلفِ مع إيرانَ استلاباً، بل ذهبنا حيثُ ذهبتْ “الكرامةُ”؛ وحيثُ تكونُ “البوصلةُ” مشيرةً إلى القدس، فثمَّ وجهُ اللهِ وثمَّ إخوانُنا.*
*اعلموا يقيناً؛ أنَّ العدوَّ الذي يقصفُ اليومَ غزة، ويحاصرُ صنعاء، ويستهدفُ طهران، لا يسألُ عن “مذهبِ” الضحيةِ قبل ذبحِها، بل يسألُ عن مدى خضوعِها وانبطاحها. فالعارُ كُلُّ العارِ أن تظلُّوا رهائنَ “فزّاعاتٍ طائفية” صنعها لكم الأجنبيُّ ليمزقَ أشلاءكم، بينما يسرقُ هو نفطَكم ويُدنسُ مقدساتِكم.*
*إنَّ التاريخَ لا يرحمُ المتفرجين؛ والشعوبُ التي تنتظرُ دورَها في “طابورِ الذبح” الصهيوني وهي صامتة، ستقولُ غداً بمرارة: “أُكلتُ يومَ أُكل الثورُ الأبيض”، ولكنْ حينها لن ينفعَ الندم. نحنُ في اليمنِ كسرنا قيدَ الانتظار، وقررنا أن نكونَ الفاعلَ لا المفعولَ به، فآثرنا جُوعاً بعزّة على شبعٍ بذلّة، وآثرنا على فنادقِ التبعية.*
*كلمتُنا الأخيرةُ لكم: لا تتركونا نُقاتلُ عن كرامتكم وحدَنا، ثم تأتون غداً لتباركوا لنا النصر. انتفضوا من غيبوبةِ الوهم، واعلموا أنَّ “محورَ الجهاد” ليس حلفاً عسكرياً فحسب، بل هو “طوقُ نجاةٍ” أخير لكلِّ مَن يأبى أن يعيشَ غريباً في أرضه، أو ذليلاً في دينه.*
*# عصر _ مابعد _ امريكا*
