الشيخ أكبر علي الشحماني ||
بعد الانتشار الواسع لمقطع من خطبة عيد الفطر لشيخ أزهري من أحد مساجد القاهرة ودعاؤه فيها : ” بحق فاطمة وابيها وبعلها وبنيها والسرّ المكنون فيها ” والذي أثارا جدالا واسعا واهتماما لافتا ، تأييدا وسرورا أو إعتراضا ونفورا !! .
وقد وجدت انه قد يكون من المفيد الاطلاع على شيء من تاريخ تشيّع المصريين لأهل البيت (ع) ومدى محبتهم لهم وشغفهم بهم ، ومن ثَمّ حسن تقويم ماجاء في العيد وخطبته والولاء وخطته .
لقد جاء لفظ التشيع في القران الكريم في موارد منها قوله تعالى : { وإن من شيعته لابراهيم } (١) . وكان رسول الله (ص) هو أول من قال للإمام علي (ع) :” يا علي انت وشيعتك الفائزون ” (٢) .
ثم أطلق وصف التشيّع بعد رسول الله (ص) على كل من والى عليا (ع) وقدمه على بقية الصحابة .
وكانت أفضل بيئة غرس فيها التشيع هي مدينة الكوفة حيث اجتمعت بها القبائل اليمانية المائلة لعلي (ع) منذ دخولها الاسلام على يديه من جهة ، وتجربة حكم امير المؤمنين (ع) والمعايشة اليومية لها منذ ٣٦ الى ٤٠ هج من جهة أخرى .
وقد كان من افرازات واقعة كربلاء ٦١ هج كواقعة ارتبطت بالكوفة في أكثر من بعد ، إبعاد السيدة زينب بنت علي (ع) ( أو أختها أم كلثوم ع) من المدينة المنورة وبأمر من الخليفة الاموي يزيد ، وذلك بعد عودتها من رحلة السبي التي تلت احداث عاشوراء ودعواتها الحثيثة لطلب الثأر لمقتل أخيها الحسين السبط (ع) ، فاختارت (ع) مصر دون غيرها من الأمصار ، ولم تذكر المصادر سبب الخيار هذا ، ولعل من اسبابه ما كانت قد سبقتها الى مصر من ثقافة علوية متعاطفة وبيئة ولائية مؤالفة ؛
بيئة كان قد وضع أساسها أولئك الثوار المصريون الذين حضروا مع ثوار أمصار إسلامية أُخرى حصار دار الخليفة الثالث ، حيث تعرفوا عن قرب واكتشفوا عن كثب مناقبية الإمام علي (ع) وصدق لهجته في حلّ الأزمة ، ومدى حرصه على مصلحة الأمة ، ثم كان المصريون من الذين تداكّوا على بيعته (ع) خليفة للمسلمين حيث اجتمع عليه النص والإجماع ولأول مرة ، فلما عادوا الى مصر عادوا والتشيع معهم والولاء لأهل البيت (ع) تحفتهم .
لعل هذا كان هو المنطلق ، ثم تأصل الأمر وتجذر واتسع وتكثّر حينما وطأت مولاتنا السيدة زينب (ع) ارض مصر في شعبان عام ٦١ هج ، بعد رحلة طويلة وقد كان في استقبالها ومن معها والي مصر آنذاك مسلمة بن مخلّد الأنصاري ومعه وجوه أهل مصر وقد هرع الناس لاستقبالها (ع) في ناحية تسمى (بلبيس) تبعد عشرة فراسخ عن الفسطاط ” ، فتقدم اليها مسلمة بن مخلد …فعزاها وبكى ، فبكت وبكى الحاضرون ، وقالت : { هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون}(٣) ، ثم احتملها الى داره بالحمراء ” (٤) ، إن هذا البكاء المصري الشعبي العام في استقبال ابنة رسول الله (ص) وبطلة كربلاء ، يؤكد لمصر هويتها ويؤيد ارضيتها الموالية لأطروحة أهل البيت (ع) .
ولم يطل العمر بها (ع) حيث ماتت بعد بضعة اشهر فدفنت بمصر وصار مرقدها دالة بارزة على مظلومية اهل البيت (ع) .
ولعل هذه الخطوة شجعت بعد ذلك نساء فاضلات من بيت النبوة كالسيدة نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الامام الحسن (ع) ومعها زوجها اسحاق بن الإمام الصادق (ع) على الهجرة الى مصر بعد عقود طويلة حتى وفاتها سنة ٢٠٨ هجرية) ، وقبرها مشهور ويحظى بتعاطف كبير .
ولكن الحدث الابرز في تثبيت التشيع المصري واتساعه ؛ انتقال عاصمة الخلافة الفاطمية اليها عام ٣٦٢ هج ، من (المهديّة) عاصمة التأسيس بتونس . حينما امر الخليفة الفاطمي المعز لدين الله (ت : ٣٦٥ هج ) احد قوّاده واسمه جوهر الصقلي (ت ٣٨١ هج) ؛ وهو الذي انتزع الحكم بمصر من الاخشيديين ، أمره بأن يبني مدينة جديدة فكانت مدينة القاهرة ومسجدها الكبير الأزهر نسبة إلى السيدة الزهراء فاطمة (ع) ،
وكان وصوله الى القاهرة في شهر رمضان عام ٣٦٢ هج .
و” في الثامن عشر من ذي الحجة ؛ وهو يوم غدير خم ، تجمع خلق من أهل مصر والمغاربة للدعاء ، فأعجب المعتز ذلك ، وكان هذا اول ماعُمل عيدُ الغدير بمصر ” (٥) ؛ وهذا دليل على سبق التشيع الى مصر حيث اشترك المصريون في احياء عيد الغدير مع المغاربة الذين جاؤوا مع المعز من تونس الى مصر .
وهذا ماشجع المعز لدين الله الفاطمي بعد ذلك على خطوة في غاية الأهمية في تجذير التشيع وتقويته ، حينما تبنى مراسم دعم مراسم ايام عاشوراء ونهضة كربلاء واضفاء الصفة الرسمية عليها اضافة لبعدها الشعبي العميق عمق التشيع فيها ؛ فقد كانت سابقة على الوجود الفاطمي بمصر بل على ايام الاخشيديين والكافوريين .
نعم ” تشجع الشيعة بمصر وتظاهروا بشعائرهم …واشتكى المترددون على المسجد العتيق بان إمرأة عجوزا عمياء ، تنشد بباب المسجد قصائد في رثاء الحسين والثناء عليه ” (٦) .
ويذهب احد الباحثين الى القول بأن أول حسينية – وهي التكية المُعدّة لإقامة العزاء الحسيني – كانت بمدينة القاهرة ، حيث ” كان من أهم ماتميزت به القاهرة في عهد الفاطميين الحسينية ؛ وهو بناء كان الفاطميون يقيمون فيه كل عام مقتل الشهيد الحسين في موقعة كربلاء ” (٧) .
ويؤكد المؤرخ المقريزي ان مظاهر العزاء الحسيني بمصر كانت سابقة على مجيء الفاطميين ، فقد ” انصرف خلق من الشيعة وأشياعهم الى المشهدين ؛ قبر كلثوم ( ولعل الاصح ام كلثوم اي السيدة زينب ع) ونفيسة ، بالنياحة والبكاء على الحسين (ع) … وقد كانت مصر لاتخلو منهم في أيام الاخشيدية والكافورية في ايام عاشوراء ..” (٨) ، بل كان الأمر قد بلغ إلى حدّ مصادمات عنيفة – في اصرار المصريين على إحياء ذكرى عاشوراء – جرت بمصر قبل مجيء الفاطميين بإثني عشر عاما ” !! ، “ومازال امر الشيعة يقوى في مصر الى ان دخلت سنة ٣٥٠ هجرية ؛ ففي يوم عاشوراء وقعت منازعة بين الجند وبين جماعة من الرعية عند قبر كلثوم العلوية ….وقتل فيها جماعة من الطرفين ” (٩) .
وقد اخذت مظاهر العزاء الحسيني ايام عاشوراء بالقاهرة ايام الفاطميين مديات أوسع مما كانت عليها ببغداد التي أعلن بها معز الدولة البويهي (ت : ٣٥٦ هج) ان يوم عاشوراء عطلة رسمية عام ٣٥٢ هج ولأول مرة في التاريخ .
فقد تلاه الخليفة المعز لدين الله الفاطمي حينما أعلن ان يوم عاشوراء عطلة رسمية كذلك بالقاهرة ابتداء من عام ٣٦٣ هج ، وكانت لعاشوراء مراسم خاصة في دار الخلافة الفاطمية من قراءة المقتل وحضور الخليفة شخصيا ومدى تأثره وحزنه ، وذكرت المصادر بشكل تفصيلي تلكم المراسم في دار الخلافة حتى وصف الفرش والاطعمة ، ثم انعكاس المراسم في اتساعها شعبيا ونزولها من أماكنها التاريخية في مراقد اهل البيت (ع) والجامع الأزهر الى الشوارع والاسواق ، والتي استمرت طوال الحكم الفاطمي لمصر .
وبعد ٣٣ عاما من الحكم الفاطمي بالقاهرة وفي ايام الحاكم بأمر الله (ت : ٤١١ هج) ؛ الذي توسع التعطيل الرسمي في عهده لأربعة ايام من اليوم السابع من المحرم .
وجاء في احداث يوم عاشوراء من سنة ٣٩٦ هجرية : وقد “جرى الأمر على مايجري كل سنة ؛ من تعطيل الأسواق وخروج المنشدين الى جامع القاهرة ونزولهم مجتمعين بالنوح والبكاء والنشيد ” (١٠) .
ثم حدث تطور في غاية الأهمية في تجذر التشيع وتوسعه في عام ٥٤٨ هجرية حينما نقل الفاطميون الرأس المنسوب للامام الحسين (ع) من إحدى مواضع دفنه في مدينة عسقلان (وتقع شمال غزة بفلسطين) الى القاهرة ، حيث صار مركز المراسم العاشورائية بدلا من الجامع الأزهر وقصر الخلافة الفاطمية التقليديين فيها وعظم الاهتمام بها ” وكانوا ينحرون في يوم عاشوراء عند القبر ، الإبل والبقر والغنم ويكثرون من النوح والبكاء ، ويسبون من قتل الحسين ، ولم يزالوا على ذلك حتى زالت دولتهم ” (١١) عام ٥٧٦ هج .
و انقلبت الاوضاع بعد سيطرة الايوبيين على حكم مصر ؛ فقد شمر صلاح الدين الأيوبي(ت : ٥٨٩ هج) عن ساعديه في محاربة التشيع بشكل استثنائي عنيف حتى أُغلق الجامع الأزهر من عهده واستمر لمائة عام ، مع العلم ان الفقه في ظل الدولة الفاطمية كان يُدرَّس في الأزهر على كل المذاهب الإسلامية !! بالضبط كما كان يصنعه البويهيون الشيعة ببغداد حيث كانت المدارس في عهدهم تدرس الفقه غلى المذاهب الخمسة !!
فحسبكم هذا التفاوت بيننا
وكل إناء بالذي فيه ينضح
كما وقام صلاح الدين هذا بمطارة الشيعة وإحراق مكتبة الفاطميبن العملاقة التي كانت تضم مليون وستمائة الف كتاب !!
” فبعد انقراض دولة الفاطميين القي بعضها (الكتب) في النار ، و البعض الآخر في النيل، و ترك بعضها في الصحراء فسفت عليها الرياح حتى صارت تلالا عرفت بتلال الكتب، و اتخذ العبيد من جلودها نعالا !! . (فقد غالى الأيوبيون في القضاء على كل أثر للشيعة)
ونظرة عجلى في الكتب التي تعرضت لشرح ذلك أمثال «خطط المقريزى» و «الازهر في الف عام» للخفاجى و غيرهما تعطيك صورة واضحة لتلك الرزايا المؤسفة التي حلت بالتراث العربي الاسلامي بسبب التعصب الأعمى، و الحقد المقيت ” (١٢)
ولكن ورغم كل ماعمله صلاح الدين الأيوبي وربما غيره من قدامى ومحدثين ، في محاولاتهم اليائسة لإبعاد المصريين عن حبهم لأهل بيت نبيهم (ص) فإن مصر لاتزال تتغنى بحبهم وتتجاهر بمودتهم ، وان ما سمعناه أخيرا من الدعاء لفاطمة وابيها وبعلها وبنيها صلوات الله عليهم ، ما هو الا غيض من فيض صدق الولاء وقليل من كثير عمق الانتماء.
