د. عامر الطائي ||
ليست القيم الإنسانية في نظر الحكماء مجرّد شعارات تُقال، بل هي قوانين خفيّة تحكم مسار الحياة، وتنسج علاقة دقيقة بين ما يزرعه الإنسان اليوم وما يحصده غداً.
ومن أعمق هذه القيم ما أشار إليه الإمام علي عليه السلام في كلمته البليغة: «ما من أحدٍ أودع قلباً سروراً إلا وخلق الله له من ذلك السرور لطفاً…»، حيث يكشف لنا عن سرٍّ إلهيٍّ دقيق، يجعل من إدخال السرور إلى قلوب الآخرين عملاً يتجاوز اللحظة العابرة، ليصبح رصيداً وجودياً يرافق الإنسان في أزماته وأوقاته العصيبة.
إنّ السرور الذي تمنحه للآخرين ليس مجاملة اجتماعية ولا تصرّفاً ثانوياً، بل هو فعلٌ يعبّر عن وعي عميق بمعنى الإنسانية. فحين تبتسم في وجه مهموم، أو تخفّف عن قلبٍ مثقل، أو تزرع أملاً في نفسٍ يائسة، فإنك في الحقيقة تشارك في صناعة التوازن داخل هذا العالم المضطرب.
وهذا الفعل، وإن بدا بسيطاً في ظاهره، إلا أنّ أثره يمتد في خفايا الغيب، حيث يتحوّل إلى «لطف» إلهي، ذلك اللطف الذي لا يُرى حين يُخلق، ولكن يُحسّ حين يُنقذ.
ومن روعة هذا المعنى، أنّ الجزاء لا يأتي دائماً بالصورة المباشرة التي يتوقعها الإنسان، بل يأتي في صورة عناية خفيّة، أو نجاة غير متوقّعة، أو تسهيلٍ لأمرٍ كان يبدو مستحيلاً.
وكأنّ تلك اللحظات التي أدخلت فيها السرور إلى قلوب الآخرين تتحوّل إلى قوة ناعمة تسري في مجرى حياتك، فتدفع عنك البلاء حين ينزل، وتفتح لك أبواب الفرج حين تُغلق.
وهنا يتجلّى البعد التربوي في كلام الإمام علي عليه السلام، فهو لا يدعونا فقط إلى فعل الخير، بل يربطنا بنتائج هذا الخير في منظومة إلهية عادلة، تجعل الإنسان أكثر وعياً بمسؤوليته تجاه الآخرين. فليس المطلوب أن ننتظر المقابل من الناس، بل أن نوقن أنّ الله سبحانه يدّخر لنا أثراً أعظم وأبقى، يظهر في أشدّ لحظات الحاجة.
ولعلّ أجمل ما في هذا المعنى أنّه يعيد صياغة مفهوم النجاة؛ فالنجاة ليست دائماً بالقوة أو الحيلة أو كثرة الوسائل، بل قد تكون بلطفٍ خفيٍّ، هو في حقيقته ثمرةُ ابتسامةٍ صادقة، أو كلمة طيّبة، أو موقفٍ إنسانيٍّ لم يُحسب له حساب.
وهذا ما يجعل الإنسان المؤمن يعيش حالة من الطمأنينة، لأنه يعلم أنّ كل خير يقدّمه لن يضيع، بل سيعود إليه في الوقت الذي يكون فيه أحوج ما يكون إليه.
إنّ عالمنا اليوم، بما فيه من قلق وضغوط، أحوج ما يكون إلى هذا النوع من الوعي؛ وعيٍ يرى في إدخال السرور رسالة، لا مجرّد سلوك، ويرى في الرحمة قوة، لا ضعفاً.
فكم من إنسانٍ غيّرت كلمة طيبة مسار يومه، وكم من نفسٍ أنقذتها لمسة إنسانية من الانكسار. هذه الأعمال الصغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، لأنها تتصل مباشرة بقانون إلهي لا يتخلّف.
وفي الختام، فإنّ دعوة الإمام علي عليه السلام ليست مجرد توجيه أخلاقي، بل هي خارطة طريق للنجاة في الدنيا والآخرة. فكن صانع سرور، واسعَ إلى أن تترك في قلوب الناس أثراً جميلاً، لأنك في الحقيقة تبني لنفسك جسوراً من اللطف الإلهي، ستحملك يوماً فوق أمواج الشدائد، وتوصلك إلى برّ الأمان حين لا تنفعك الوسائل الأخرى
