اكرم كامل الخفاجي ||
الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
قال الامام علي (ع) : ان الله تبارك وتعالى اطلع الى الأرض فاختارنا واختار شيعة ينصروننا .. ويفرحون لفرحنا .. ويحزنون لحزننا .. ويبذلون اموالهم وانفسهم فينا اولئك منا والينا .
في ثقافةِ القرآن والعِترة :
الصِراطُ المُستقيم هو علي ابن أبي طالب (ع)
أينما وجدتُم عُنوانَ “الصراط المُستقيم” في آياتِ الكتاب الكريم فذلكَ هو عليٌ (ع) .. والأحاديثُ الشريفةُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدّاً .. مِنها على سبيل المِثال :
ما يقولُهُ إمامُنا الصادق (ع) في [تفسير القُمّي] حِينَ سُئِلَ عن معنى (الصراط المستقيم) قال : (هُو أميرُ المُؤمنين ومَعرفتُهُ ، والدليل على أنّهُ أميرُ المُؤمنين قولهُ : {وإنّهُ في أُمّ الكتاب لدينا لَعليٌّ حكيمٌ} وهُو أمير المُؤمنين في أُمّ الكتاب) .
لاحظوا الإمام حِين يقول في الرواية : (والدليل على أنّهُ أميرُ المُؤمنين) فالإمام هُنا يأتي بدليل على حقيقةِ ما يقول لأنَّ سُورةَ الفاتحة لا يُوجَدُ فيها اسْمٌ يُمكنُ أن يكونَ دليلاً على أمير المُؤمنين إلّا “الصراط المُستقيم”..
فالإمامُ يستدلُّ على هذهِ القضيّة فيقول :
(والدليلُ على أنّهُ أميرُ المُؤمنين قَولهُ عزَّ وجلَّ : {وإنّهُ في أُمّ الكتاب لدينا لَعليٌّ حكيمٌ} وهُو أمير المُؤمنين في أُمّ الكتاب) .. وأمّ الكتاب هي سُورة الفاتحة .. والصراطُ المُستقيم هُو قَلْبُ ومَركز هذهِ السُورة التي تُمثّلُ خُلاصةَ القُرآن والتي لا تَصحُّ الصلاةُ إلّا بها كما يقول سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله) : (لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب) فعليٌّ هو قلْبُ هذهِ السُورة التي تُمثّلُ خلاصةَ القُرآن وهي أُمّ الكتاب .
وما يُؤكّد هذا المعنى الذي ذَكَرَهُ إمامُنا الصادق (ع) هو ما نَقرؤُهُ في دُعاءِ النُدبةٍ الشريف حِين نُخاطِبُ إمامَ زمانِنا (عج) بهذا الخِطاب : (يابنَ الصِراطِ المُستقيم ، يابنَ النَبَأ العَظِيم ، يابنَ مَن هُو فِي أمِّ الكتابِ لدى الله عَليٌّ حكيم) .
فكما تُلاحظون هُناك اقترانٌ واضحٌ بين “الصراط المستقيم” وبين هذهِ الآية {يابنَ مَن هُو فِي أمِّ الكِتابِ لدى الله عليٌّ حكيم}.. ونَحنُ حينَ نُخاطِبُ إمامَ زمانِنا بهذا الخطاب : (يابن الصراط المُستقيم) فهذا تَعبيرٌ حقيقي .. فنَحنُ هُنا نَنسِبُ الإبنَ إلى أبيه ، فأبوهُ هو الصراطُ المُستقيم على نحو الحقيقةِ لا المَجاز .. وإذا استُعمِلَ هذا العُنوان “الصراط المُستقيم” في معنى آخر غير أمير المؤمنين فذلكَ المعنى الآخر هُو المعنى المجازي .
ولكن للأسف الشديد بعضٌ مِن عُلمائِنا يعكسون المَطلب ، فيَعتبرونَ أنَّ تفسيرَ الصِراط المُستقيم بأميرِ المُؤمنين هُو مَعنىً مَجازي وأنَّ المعنى الحقيقي هو : صراطُ الشريعةِ الواضح وهذا خِلاف منطق العترة الطاهرة .
فالصراطُ المُستقيم هُو الإمام المعصوم ، وحينَ نتحدّثُ عن صِراطٍ مُستقيم في زَماننا هذا .. فالصِراطُ المُستقيم في زماننا هذا هو إمامُ زماننا الحُجّة بن الحسن (عج) ..
فإمامُ زماننا هُو الصراطُ المُستقيم وهُو ابنُ الصراط المُستقيم .. ولكن يبقى هذا العُنوان “الصراط المستقيم” في ثقافةِ العترة عُنوانٌ لهُ خُصوصيّةٌ في عليٍّ (ع) ، فجوهريّةُ الصراطِ المُستقيم وحقيقتُهُ هي عليٌّ (ع).. ولكن لهذهِ الحقيقة تَجليَّات ، ومِن تجلّياتها:
(القُرآنُ) .. فالقُرآن هو الصِراطُ المستقيم بشرْط أن يُفسَّرَ القرآنُ بحديثِ عليٍّ وآلِ عليّ .. وإلّا فهؤلاء النواصب يعتقدونَ بالقُرآن الصامت أيضاً .. ولكنّهم على ضلال وليسوا على الصراط المُستقيم .
فالقُرآن إنّما يكونُ مَظهراً للصراط المُستقيم حِين يُفسَّرُ بحديثِ عليٍّ وآل عليّ (ع) .. لأنَّ القُرآنَ هُو الصُورةُ الَّلفظيّةُ الصامتةُ لِتلكَ الحقيقةِ العَلَويّةِ الشامخةِ والناطقةِ الكبيرة الَّتي لا نَعرفُ أوَّلها ولا آخرها .ومِن تجلّيات الصراط المُستقيم : الولايةُ لِمُحمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ والبراءةُ مِن أعدائهم ، ومِن تجلّياتهِ أيضاً : مودَّةُ القربى .
فَمَن أرادَ أنْ يسيرَ في الصِراط المُستقيم ، ومَن أرادَ أنْ يُحقِّقَ الولايةَ والبراءةَ في عقيدتِهِ ودينهِ وحياتهِ بمقاس الصراطِ المُستقيم ، ومَن أرادَ أنْ يَفهمَ القُرآنَ بمُستوى الصراطِ المستقيم ، ومَن أرادَ أنْ يكونَ مُؤمناً بمُستوى الصراط المُستقيم .. فلابدَّ أنْ يلتصق بعليٍّ ..
وفقدْرِ الالتصاقِ بعليٍّ والعكوفِ على أعتابهِ والوقوفِ عند أبوابه وبقَدْر التمسُّك بعليٍّ نستطيعُ أنْ نَفهمَ القُرآنَ بمُستوى الصراط المُستقيم ، بِقَدْرِ الفَنَاءِ في عليٍّ نستطيعُ أنْ نواصل الطريقَ (بشكلٍ آمن) في الانتقال مِن هذا العالم الترابي الذي نَعيشُ فيه إلى العالم الآتي ..
كما تُحدّثنا الرواياتُ الشريفة وتقول : بأنَّ الناس في عَرَصاتِ القيامة يمرّون على الصراط بيُسْرٍ وسهولة بمقدار ما عندهم مِن ولايةِ عليٍّ .. لأنَّ ولايةَ عليٍّ تُشْرِقُ نُوراً في جِباهِهِم فيُضيءُ لهم هذا النُور ظُلمةَ الصِراط ، فيمرّون بيُسْرٍ وسهولة .. وهؤلاء هُم “الغُرّ المُحجّلون” .
فالغُرّ المُحجَّلون الذين يُذكَرون في زياراتِ الأمير: هُم شيعةُ عليٍّ الّذين تَعمَّقتْ وتَجذّرتْ ولايةُ عليٍّ في نُفُوسهم وفي قُلوبهم.. فهُم الأشدُّ التصاقاً بأمير المُؤمنين .
وما يُؤكّدُ هذا المعنى هو حديثُ إمامنا الصادق (ع) مع المُفضّل بن عُمر – وهو أحدُ خواصّ أصحاب الأئمة – فحين سأل المُفضّل الإمام عن معنى الصراط .. قال له الإمام (ع) : (الصراط هُو الطريقُ إلى معرفةِ اللهِ عزَّ وجلَّ . وهُما صِراطان : صِراطٌ الدُنيا وصِراطٌ في الآخرة .. فأمّا الصِراطُ الذي في الدُنيا فهو الإمامُ المُفترض الطاعة ، مَن عَرَفهُ في الدُنيا واقتدى بهُداه مرَّ على الصِراطِ الذي هو جِسْرُ جهنَّم في الآخرة ، ومَن لم يَعْرفهُ في الدُنيا زلّتْ قَدَمُهُ عن الصِراطِ في الآخرة ، فتردّى في نار جهنّم) .
وكذلك نقرأ في زيارة الأمير في يوم المبعث هذهِ العبارات : (السلاَمُ عليكَ أيُّها النَبَأُ العظيم ، السلامُ عليكَ أيُّها الصِراطُ المُستقيم..) .
الوحي يؤبن المرتضى (ع)
في عمدة الزائر للسيد حيدر (قدّس الله سرّه) ، مستنداً إلى أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : لما كان اليوم الذي قبض فيه وصي رسول الله أمير المؤمنين (ع) ارتجّ الموضع بالبكاء ، ودهش الناس كيوم قبض النبي (صلى الله عليه وآله) ، وجاء رجل باكٍ وهو مسترجع مسرع وهو يقول : اليوم انقطعت خلافة النبوة ، حتى وقف على باب البيت الذي فيه أمير المؤمنين (ع) وقال :
رحمك الله يا أبا الحسن ، كنت أول القوم إسلاماً ، وأخلصهم إيماناً ، وأشدهم يقيناً ، وأخوفهم لله عزّ وجلّ ، وأعظمهم غناءً ، وأحوطهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأحنَاهم على أصحابه ، وأفضلهم مناقب ، وأكثرهم سوابق ، وأرفعهم درجة ، وأقربهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، وأشبههم به هدياً وخلقاً وسمتاً وفعلاً ، وأشرفهم منزلة ، وأكرمهم عليه ، فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعن المسلمين خيراً .
قويت حين ضعف أصحابه ، وبرزت حين استكانوا ، ونهضت حين وهنوا ، ولزمت منهاج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ هم أصحابه ، وكنت خليفته حقاً ، لم تنازع ولم تفرق ، ولم تضعف برغم المنافقين وغيظ الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين ، فقمت بالأمر حين فشلوا ، ونطقت حين تعتعوا ، ومضيت بنور الله إذ وقفوا .
كنت أخفضهم صوتاً ، وأعلاهم فوتاً ، وأجلّهم رأياً ، وأكرمهم نفساً ، وأشجعهم قلباً ، وأثبتهم جناناً ، وأكظمهم غيظاً ، وأحسنهم عفواً ، وأكرمهم حلماً ، وأسمحهم يداً ، وأشجعهم قلباً ، وأعظمهم حلماً ، وأسدّهم رأياً ، وأشدّهم بأساً ، وأكثرهم علماً ، وأفصحهم لساناً .
كنت إذا احمرّ البأس ، ولقي القوم القوم ، قدّمت نفسك ، ووقيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنفسك ، فقاتلت دونه الأبطال ، وبارزت الأقران ، وضربت بالسيفين ، وطعنت بالرمحين ، وهاجرت الهجرتين ، وبايعت البيعتين، وصليت القبلتين ، ولم تعبد صنماً قط .
كنت عند المؤمنين جليلاً ، ولم تكن عند الله صغيراً ، ولا في الناس ضعيفاً ، ولا عندك مطمع ، ولا لأحد فيك مغنم ، ضعيفاً كنت للمؤمنين ، قوياً على الكافرين ، لا تأخذك في الله لومة لائم .
فألحقك الله بنبيه ، ولا حرمنا أجرك ، ولا أضلّنا بعدك .
وسكت القوم حتى انقضى كلامه ، وبكى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه (ع) ، ثم طلبوه فلم يصادفوه .
اللهم إجعلنا ومن يلوذ بنا من السائرين على صراطك المستقيم بحق علي ابن أبي طالب (ع) .
