طه حسن الأركوازي ||
في لحظات التحول الكُبرى حيثُ لا تُقاس السياسات بما يُقال في البيانات الرسمية ، بل بما تكشفه التسريبات ، والاستقالات ، والتباينات داخل مراكز القرار ، ومع تصاعد المُواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، بدأت ملامح نقاش داخلي أمريكي أكثر تعقيداً تَظهر إلى السطح حيثُ يعكس قلقاً مُتزايداً من الانزلاق إلى حرب لم تُحسب كُلفتها بدقة ، ولم تُحسم أهدافها بشكل نهائي .
التصريحات المنسوبة لمسؤول أمني أمريكي رفيع هو المُستقيل “جو كينت” والتي أشار فيها إلى أن إيران لم تكن على وشك أمتلاك سلاح نووي ، وأن إسرائيل دفعت بأتجاه التصعيد مع إدراكها لطبيعة الرد الإيراني لا يُمكن قراءتها بمعزل عن السياق المُؤسسي في واشنطن ، فمثل هذه المُواقف تتقاطع مع تقديرات سابقة صدرت عن مؤسسات بحثية رصينة “كمراكز الدراسات الاستراتيجية” في واشنطن والتي دأبت على التحذير من أن التهديد النووي الإيراني رغُم خطورته لكنه لا يُبرر بالضرورة الانخراط في مُواجهة عسكرية مفتوحة لما تحمله من تداعيات إقليمية ودولية مُعقدة .
داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ من المُتوقع أن يتبلور أنقسام واضح بين تيارين :
الأول : تقليدي يميل إلى دعم إسرائيل بأعتبارها حليفاً أستراتيجياً لا يُمكن التخلي عنه ، ويرى في أي مُواجهة مع إيران جُزءاً من إعادة ضبط موازين القوة في الشرق الأوسط .
أما التيار الثاني : والذي تعزز حضوره خلال السنوات الأخيرة ، فيتبنى مُقاربة أكثر حذراً ، ويُركز على كُلفة الحروب الخارجية ، خاصة بعد تجارب مريرة في العراق وأفغانستان ، حيث لا تزال الذاكرة السياسية الأمريكية مُثقلة بنتائج التدخلات غير المحسوبة .
هذا الانقسام لا يقف عند حدود المُؤسسات التشريعية ، بل يمتد إلى الرأي العام الأمريكي ، الذي أصبح أكثر ميلاً للعُزلة الاستراتيجية ، وأقل أستعداداً لدعم حروب جديدة في الشرق الأوسط ، فوفقاً لقراءات مراكز أستطلاع معروفة ، فإن المزاج الشعبي يميل إلى تحميل النخب السياسية مسؤولية الانخراط في صراعات لا تمس الأمن القومي المُباشر للولايات المتحدة وهو ما قد ينعكس في ضغوط مُتزايدة على الإدارة الأمريكية لإعادة تقييم مسار التصعيد .
في هذا الإطار ، تبرز مسألة “جماعات الضغط” كعامل مُؤثر في توجيه القرار السياسي وهي قضية لطالما أثارت جدلاً داخل الولايات المُتحدة نفسها ، فبينما ترى بعض النُخب أن دعم إسرائيل يدخل ضمن ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية ، يشير آخرون إلى أن هذا الدعم حين يتحول إلى أنخراط غير مشروط في صراعات مُعقدة قد يضع المصالح الأمريكية في موضع الاختبار خاصة إذا ما تم أستدراج واشنطن إلى مواجهة واسعة النطاق .
أما على المستوى العسكري والاستراتيجي ، فإن ما يجري يكشف عن مُعادلة دقيقة ، إذ تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق توازن بين الردع وعدم الانزلاق إلى حرب شاملة ، في حين تحاول إسرائيل فرض واقع أمني جديد يحد من قُدرات خصومها الإقليميين ، وفي المُقابل تبدو إيران مُصممة على إدارة الصراع بأسلوب “الحافة دون الانفجار”، عبر ردود محسوبة تهدف إلى تثبيت قواعد أشتباك جديدة دون الذهاب إلى مُواجهة مفتوحة .
أنعكاسات هذه المُواجهة لا تقتصر على أطرافها المُباشرين ، بل تمتد إلى دول المنطقة وفي مُقدمتها العراق ، الذي يجد نفسه مرة أُخرى في قلب توازنات مُعقدة تتجاوز قُدرته على التحكم بها ، فالموقع الجغرافي ، والتشابك السياسي ، ووجود قوى إقليمية ودولية على أرضه تجعل منه ساحة مُحتملة لتصفية الحسابات أو إيصال الرسائل وهو ما يُضاعف من أهمية تبني سياسة عراقية أكثر توازناً وحياداً تقوم على تحييد البلاد عن صراعات المحاور ، وتعزيز مفهوم السيادة الوطنية الفعلية .
في المحصلة .. ما يجري اليوم لا يمكن أختزاله في مُواجهة عسكرية تقليدية ، بل هو أختبار عميق لطبيعة القرار السياسي في واشنطن ، وحدود تأثير الحلفاء ، وقدرة المؤسسات الأمريكية على ضبط إيقاع الانخراط الخارجي . وبين ضغوط الداخل وتعقيدات الخارج يبقى السؤال الأهم هو هل تستطيع الولايات المتحدة إعادة تعريف مصالحها بعيداً عن منطق الاستدراج التي قامت به أسرائيل ، أم أنها ستجد نفسها مرة أخرى في حرب تتجاوز حساباتها الأولية .؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تُحدد فقط مسار الصراع مع إيران ، بل سترسم أيضاً ملامح المرحلة المُقبلة في الشرق الأوسط ، وتُحدد موقع دولة وفي مقدمتها العراق ، بين من يملُك قرار الفعل ، ومن يجد نفسه مُضطراً للتكيُف مع نتائجه …!
