د. أمل الأسدي ||
نعيشُ اليوم ذكرى استشهادِ ؛ ذاك البطل الصنديد، المحارب صاحب العقيدة الكبيرة، الذي أراد أن يؤسِّس لدولةٍ تُنصِف الشيعة، وتجعلهم ممسكين بزمام الأرض، وتُخلِّصهم من الوعي الذي أسَّسه الأمويون، وهو الابتعاد عن السلطة والاكتفاء بدور الضحية.
نستذكر المختار اليوم تحت عنوان: البكاء الأجوف.
فماذا نقصد بالبكاء الأجوف؟
إن كلمة(البكاء) بما فيها من صوتٍ يمتدّ مدّاً طويلاً، يبدو كأنه آهاتٌ وصراخٌ يُفرِّغ ما في قلب الإنسان من لوعةٍ وندمٍ وحرقةٍ وألم، وعلى الرغم من استشهاد المختار قبل ما يقارب ألفا وأربعمائة سنة، منذ سنة 67 للهجرة إلى اليوم، ما زلنا نذكره ونبكي عليه، ونردِّد: أن المجتمع تركه يقاتل وحده حتى استُشهد، وأن هذا السلوك المتخاذل كان الخطأ الاستراتيجي القاتل الذي وقع فيه الشيعة، فتسبَّب – منذ ذلك الحين إلى يومنا هذا – في دخولهم متاهاتٍ وويلات، وأدّى إلى تجذُّر دور الضحية والقبول به، والابتعاد عن القيادة وتركها لغيرهم.
لقد تجذَّرت هذه الخصائص في البيئة الاجتماعية، وشاعت فكرة الانعزال والخضوع والقبول بالواقع، بل والتصفيق له أحيانا، والاكتفاء ببكاءٍ أجوف لا يخرج منه الناس بفائدةٍ تدفعهم إلى العمل، ولا تُحصِّنهم من تكرار المأساة.
اليوم، ونحن نستذكر المختار الثقفي، ينبغي أن نقف طويلا عند الأسباب التي أدّت إلى ضياع مشروعه الفتي، وخسارة الشيعة فرصةً تأريخية، كانت تمكّنهم من حكم أوطانهم والحفاظ علی حقوقهم في العيش الكريم بعيدا عن بطش الأنظمة الطائفية المتسلطة.
كان السبب الأبرز في ضياع مشروع المختار: خذلان الأمة، وعدم مواكبتها مواكبةً توازي حجم الحدث، مع ردود الفعل التي لا تناسب خطورة المرحلة.
والغريب أننا نبكي على المختار من جهة، بينما يتعرَّض مختار العصر أي الجمهورية الإسلامية، لضغوطٍ واستهدافاتٍ من قوى كبرى تتكالب عليها من كل جانب!! فكيف نبكي على تجربةٍ تاريخيةٍ خُذلت، ثم لا نتأمّل في مسؤوليات الحاضر؟
إنها لحظةٌ يمرّ فيها الشيعة باختبارٍ يذكِّر باختبارهم في أيام المختار، حين تُرك مشروع الدولة الفتية ليضيع. غير أنّ الفارق أن الجمهورية الإسلامية ليست دولةً فتية؛ فقد تجاوزت مراحل التأسيس والمحن، إنها دولةٌ عظيمة مقتدرة؛ لكنها تواجه تحدياتٍ جسيمةً من قوى مسلّحة كبرى، غاية بالاجرام والانحطاط!
وهنا، ماذا يتطلَّب منّا؟ ماذا نفعل؟ أنكتفي بأن نبكي هذا البكاء الأجوف، أم نلتفت إلى مختار عصرنا وننصره؟
مختارُ عصرنا( الجمهورية الإسلامية) هذا المكسب الإسلامي الذي قدَّم ما قدَّم من تضحياتٍ وشهداء. وأنا أتعجَّب من كثرة ما أرى وما يصدر من هؤلاء المُجبِّنين الذين لا يكتفون بجبنهم وخضوعهم، وإنما يُجبِّنون الآخر ويسهمون في تزييف الحقائق وخلق وعي مشوه!
هكذا تحوَّلت قضايا الأمة، واستذكار القضايا الكبرى، إلى استذكارٍ أجوفٍ مُفرغٍ من معناه.
ونحن في هذه اللحظة،إذ نستذكر المختار الثقفي، أرجو أن تنهض الأمة لتنصر مختار العصر( نظام الجمهورية الإسلامية) فإن كان مختار الماضي شخصا قائدا، فهنا نظامٌ كامل، ومؤسساتٌ كاملة، ورايةٌ إسلامية مرفرفة، أذلَّت كلَّ قوى الاستكبار العالمي.
فالجمهورية الإسلامية حصنٌ ودرءٌ للشيعة، ولكل الإنسانية، وللمستضعفين جميعا.
وأسأل الله تعالى أن يُسدِّدها، وأن ينصرها، وأن لا يجعلها تذوق مرارة الخذلان التي تذوَّقها المختار الثقفي، رحمه الله وجزاه عنّا خيرا.
.jpg)