جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف التلميذُ الملتزم قراءة في ازدواجية الخطاب حول القانون الدولي والمقاومة

التلميذُ الملتزم قراءة في ازدواجية الخطاب حول القانون الدولي والمقاومة

حجم الخط


 

آزاد محسن

في كلّ مرة يُثار فيها الحديث عن المقاومة العراقية، يخرج من يرفع شعار القانون الدولي والأعراف الدولية بوصفهما المعيار الذي ينبغي أن يُقاس عليه كل فعلٍ سياسي أو أمني داخل العراق. ويجري تصوير أيّ فعل مقاوم وكأنه خروجٌ عن النظام الدولي أو تمرّدٌ على قواعد يفترض أنها مقدّسة لا يجوز المساس بها.

غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه بوضوح: هل هذا القانون يُطبَّق فعلاً على الجميع، أم يُستدعى فقط عندما يتعلّق الأمر بالشعوب التي تدافع عن نفسها؟

إنّ التجربة الحديثة في العراق تقدّم مثالاً صارخاً على هذه الازدواجية. ففي الثالث من كانون الثاني عام 2020 اغتالت الولايات المتحدة، بأمرٍ مباشر من الرئيس الأمريكي آنذاك المجرم  ترامب، الشهيدين قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس (رضوان الله عليهم) على أرض العراق وفي وضح النهار. كان ذلك عملاً عسكرياً داخل دولة ذات سيادة، ومن دون أيّ تفويض دولي أو قانوني. ومع ذلك، لم تهتزّ منظومة “القانون الدولي” التي يكثر الحديث عنها، ولم تتحرّك المؤسسات التي يُفترض أنها تحمي سيادة الدول.

ذلك القرار لم يكن خرقاً عادياً لقواعد العلاقات الدولية؛ كان إعلاناً صريحاً بأنّ القوة هي التي تصوغ القانون عندما يتعلّق الأمر بالقوى الكبرى. فالرئيس الذي وقّع أمر الاغتيال، والمعروف بسجله المثير للجدل واتهاماته الأخلاقية في جزيرة ابستن والسياسية، لم يتردّد في انتهاك سيادة بلدٍ كامل، وضرب عرض الحائط بالقوانين والأعراف والحرمات.

هنا يظهر التناقض بوضوح:

عندما ينتهك المتغطرسين القواعد الدولية يُقدَّم الأمر باعتباره ضرورةً أمنية أو قراراً سيادياً، وعندما تدافع الشعوب عن نفسها يتحوّل الفعل ذاته إلى إشكالية قانونية تستدعي المحاضرات والنصائح.

إنّ القانون الدولي، في صورته المثالية، يفترض أن يكون منظومةً تضبط سلوك الدول وتحمي السيادة وتمنع العدوان. غير أنّ الواقع السياسي أثبت مراراً أنّ هذه المنظومة كثيراً ما تُستخدم انتقائياً، فتغيب عندما تضرب القوى الكبرى، وتُستدعى بقوة عندما تتحرك الشعوب للدفاع عن أرضها وكرامتها.

لهذا فإنّ النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون حول ما إذا كانت الشعوب ملتزمة بالقانون الدولي أكثر من غيرها، انما حول طبيعة النظام الدولي نفسه:

هل هو نظام قائم على قواعد متساوية، أم منظومة تُدار بميزان القوة وتُستخدم نصوصها عند الحاجة السياسية؟

العراق، الذي دفع أثماناً باهظة من دماء أبنائه وسيادته واستقراره، يعرف جيداً أنّ كرامة الدول لا تُصان بالخطابات وحدها، وأنّ النصوص القانونية تفقد معناها عندما تتحوّل إلى أدوات ضغط على الضعفاء دون غيرهم.

من هنا، فإنّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بصدق ليس:

لماذا تقاوم الشعوب؟

السؤال الحقيقي هو:

لماذا يُطلب من الشعوب أن تبقى التلميذ الملتزم في مدرسة القانون الدولي، بينما يخرق المتغطرسين القواعد نفسها متى شاءوا؟

إنّ احترام القانون الدولي قيمةٌ نبيلة عندما يكون قانوناً للجميع، أمّا حين يتحوّل إلى معيارٍ يُفرض على طرفٍ واحد، فإنّه يفقد جوهره الأخلاقي ويغدو مجرّد أداةٍ في صراع الإرادات بين الدول.

التصنيفات:
تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال