د. محسن حنون العكيلي ||
في وقت يمر فيه العراق بظروف إقليمية حساسة نتيجة تداعيات العدوان الأمريكي-الصهيوني على الجمهورية الإسلامية الإيرانية وما تبعه من اضطرابات في حركة الملاحة وتوقف التصدير عبر مضيق هرمز، برزت حاجة العراق إلى البحث عن بدائل لتعزيز قدرته على تصدير النفط والحفاظ على استقرار موارده المالية. وفي هذا السياق كان من الطبيعي أن تتجه الحكومة الاتحادية إلى تفعيل التصدير عبر خط جيهان – كركوك الذي يمتلك طاقة تصديرية تصل إلى نحو 900 ألف برميل يومياً، بوصفه أحد أهم المنافذ الاستراتيجية للعراق نحو الأسواق العالمية.
غير أن ما حدث كان صادماً للرأي العام العراقي، إذ فوجئت الحكومة الاتحادية برفض حكومة إقليم كردستان السماح بتصدير النفط عبر هذا الخط إلا بعد الدخول في مفاوضات ووضع شروط خاصة بها. وهذا الموقف لا يمكن النظر إليه إلا بوصفه سلوكاً يبتعد عن روح المسؤولية الوطنية، خصوصاً في ظرف استثنائي يحتاج فيه العراق إلى تكاتف جميع مؤسساته ومكوناته لحماية مصالحه الاقتصادية.
إن الدستور العراقي واضح في هذه المسألة؛ فالثروات الطبيعية، وفي مقدمتها النفط والغاز، هي ملك للشعب العراقي كله، وإدارتها تقع ضمن صلاحيات الحكومة الاتحادية. وبالتالي فإن تحويل هذا الملف إلى أداة ضغط سياسي أو ورقة تفاوضية يضع علامات استفهام كبيرة حول طبيعة العلاقة بين الإقليم والدولة الاتحادية، ويعطي انطباعاً بأن حكومة الإقليم تتصرف أحياناً كما لو كانت دولة مستقلة، لا جزءاً من دولة واحدة ذات سيادة.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه الممارسات تثير تساؤلات مشروعة حول مستقبل المشاريع الاستراتيجية التي تخطط لها الدولة العراقية. فكيف يمكن للحكومة الاتحادية أن تطمئن إلى مرور مشاريع وطنية كبرى عبر الإقليم، وفي مقدمتها مشروع طريق التنمية الذي تتجاوز كلفته 18 مليار دولار، إذا كان من الممكن أن تتحول هذه المشاريع في أي لحظة إلى أوراق ضغط أو ابتزاز سياسي؟
إن الحفاظ على وحدة القرار الاقتصادي للعراق ليس قضية سياسية فحسب، بل هو مسألة سيادة وطنية وأمن اقتصادي. ولذلك فإن المطلوب اليوم من الحكومة الاتحادية موقف واضح وحازم يعيد التأكيد على أن إدارة الثروات الوطنية والطرق الاستراتيجية يجب أن تبقى ضمن إطار الدولة العراقية ومؤسساتها الدستورية، بعيداً عن الحسابات الضيقة أو المصالح الآنية.
فالعراق لا يمكن أن يبني مستقبله الاقتصادي على أسس هشة أو رهينة لمواقف متغيرة. وما حدث يجب أن يكون جرس إنذار يدفع الدولة إلى إعادة تقييم سياساتها ومشاريعها الاستراتيجية، بما يضمن أن تبقى المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار.
