جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف نفط العراق بين السيادة والابتزاز: معركة الدولة لحماية ثروة الشعب ووحدة الوطن..!

نفط العراق بين السيادة والابتزاز: معركة الدولة لحماية ثروة الشعب ووحدة الوطن..!

حجم الخط

 

أ.م.د عائد الهلالي ||


يشهد العراق في هذه المرحلة مفترقاً حرجاً من تاريخه السياسي والاقتصادي، إذ يتجدد الجدل حول ملف النفط بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيراً في بنية الدولة ووحدتها.

وفي خضم الضغوط المتصاعدة التي تتعرض لها الحكومة الاتحادية، جاء بيان إقليم كردستان الرافض لتسويق النفط عبر ميناء جيهان التركي مروراً بالإقليم ليضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد سياسي يعاني أصلاً من هشاشة التوازنات وتراكم الأزمات.

إن هذا الموقف لا يمكن قراءته بوصفه مجرد اختلاف إداري أو فني حول آليات التصدير، بل يتجاوز ذلك ليطرح إشكالية عميقة تتعلق بطبيعة العلاقة بين المركز والإقليم، وحدود الالتزام بالقرارات الدستورية والقضائية.

فقرار المحكمة الاتحادية العليا بشأن إدارة النفط والغاز لم يكن قراراً سياسياً قابلاً للأخذ والرد، بل حكماً قضائياً ملزماً يرسم الإطار الدستوري لإدارة الثروات الوطنية باعتبارها ملكاً لجميع العراقيين من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب.

وما ينبغي التأكيد عليه هنا أن البنية التحتية النفطية في العراق، بما في ذلك خطوط الأنابيب والمنافذ التصديرية، هي ملك سيادي للدولة العراقية، وليست ملكاً لأي إقليم أو سلطة محلية.

فهذه الأنابيب التي تنقل النفط إلى الأسواق العالمية أنشأتها الدولة العراقية عبر عقود طويلة من الاستثمار العام، وهي جزء من منظومة اقتصادية وطنية تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي. وبناءً على ذلك، لا يملك أي طرف حق تعطيلها أو التحكم بها خارج إطار القرار السيادي للحكومة الاتحادية، لأن إدارتها ترتبط مباشرة بمصالح الشعب العراقي بأكمله.

ومن هذا المنطلق، فإن رفض تسويق النفط عبر المسارات التي تقرها الدولة الاتحادية وعرقلة تصديره عبر ميناء جيهان لا يمكن تفسيره إلا بوصفه ضغطاً سياسياً يضع الدولة أمام معادلة خطيرة بين الحفاظ على هيبتها الدستورية أو الرضوخ لمنطق المساومة.

فالثروة النفطية ليست ورقة تفاوض بين أطراف سياسية، بل مورد سيادي يمثل حقاً مشتركاً لجميع العراقيين.

الأخطر من ذلك أن هذه الأزمة لا تقف عند حدود الخلاف السياسي، بل تمس مباشرة لقمة عيش ملايين العراقيين الذين يعتمد اقتصادهم الوطني بشكل شبه كامل على عائدات النفط. فكل تعطيل أو عرقلة لعمليات التصدير يعني عملياً تقليص موارد الدولة، وإضعاف قدرتها على تمويل الرواتب والخدمات والبنى التحتية، وهو ما ينعكس سلباً على مجمل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

إن تعظيم هذا الخلاف يهدد كذلك بتكريس حالة الانسداد السياسي التي يعاني منها العراق منذ سنوات، حيث تتحول الملفات السيادية إلى أدوات ضغط متبادل بين القوى السياسية، بدلاً من أن تكون جسوراً لتعزيز الشراكة الوطنية. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الوحدة الوطنية أمام اختبار حقيقي، إذ لا يمكن بناء دولة قوية إذا كانت ثروتها الوطنية عرضة للتجاذبات أو رهينة للقرارات الأحادية.

لذلك فإن اللحظة الراهنة تتطلب موقفاً وطنياً حازماً يعيد الاعتبار لسلطة الدستور والقانون، ويضع مصلحة الشعب العراقي فوق أي اعتبار. فالعراق دولة واحدة بثروة واحدة، وأي محاولة لتجزئة قرار إدارة النفط أو احتكاره خارج الإطار الدستوري لا تمثل مجرد خلاف سياسي عابر، بل تشكل تحدياً مباشراً لفكرة الدولة وسيادتها، وتهديداً صريحاً لحقوق جميع العراقيين في ثروتهم الوطنية ومستقبلهم الاقتصادي..


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال