د. ماجد الشويلي ||
تُعدّ القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج إحدى الركائز الأساسية للهيمنة الأمنية والعسكرية للولايات المتحدة في منطقة غرب آسيا. فمنذ نهاية الحرب الباردة وتعاظم الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، أصبحت هذه القواعد تمثل أدوات استراتيجية للرقابة والتحكم في التوازنات الإقليمية، إضافة إلى دورها في حماية المصالح الغربية، وفي مقدمتها أمن اسرائيل ، فضلاً عن طمأنة دول الخليج وإبقاء منظومتها الأمنية مرتبطة بالاستراتيجية الأمريكية.
تنتشر هذه القواعد في عدد من دول الخليج، مثل القاعدة الجوية في قطر، والوجود البحري في البحرين، والمنشآت العسكرية في الكويت والامارات والسعودية. ولا يقتصر دورها على الجوانب العسكرية فحسب، بل يتجاوز ذلك ليشمل التأثير في القرار السياسي والأمني لدول المنطقة، إذ تشكل هذه القواعد نوعاً من الضمانة الأمنية التي تربط استقرار هذه الدول بالمظلة الاستراتيجية الأمريكية.
ومن هذا المنطلق، تُعدّ مسألة خروج هذه القواعد عن الخدمة، نتيجة تعرضها لهجمات صاروخية مكثفة من جانب ايران، تطوراً بالغ الأهمية على التوازنات الإقليمية. فتعطّل هذه المنشآت العسكرية أو تدميرها لا يعني فقط خسارة بنية تحتية عسكرية ضخمة، بل يطرح إشكاليات استراتيجية أعمق تتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على إعادة بناء هذه القواعد واستعادة فعاليتها في بيئة أمنية معادية لها.
إضافة إلى ذلك، فإن إعادة بناء هذه القواعد قد لا تكون مسألة تقنية أو مالية فحسب، بل ترتبط أيضاً بمدى اقتناع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بجدواها وقدرتها على توفير الردع بعد هذا الذي حصل لها من التدمير . فإذا ظلت هذه القواعد عرضة للتهديد الصاروخي المستمر، فإن قيمتها العسكرية والسياسية قد تتآكل الى الأبد ، مما يضعف ثقة الحلفاء بها ويجعلها أقل قدرة على أداء دورها التقليدي في تثبيت النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وفي حال تحقق مثل هذا السيناريو، فإن التأثير لن يقتصر على ميزان القوى الإقليمي، بل قد يمتد إلى إعادة تشكيل خريطة التحالفات الدولية. فضعف الحضور العسكري الأمريكي من شأنه أن يفتح المجال أمام قوى دولية صاعدة، مثل الصين وروسيا لمحاولة ملء الفراغ الاستراتيجي في منطقة تعد من أهم مناطق العالم من حيث الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن هذا التحول المحتمل قد يسرّع من بناء تكتلات اقتصادية وجيوسياسية جديدة ترتبط بالسيطرة على الممرات المائية الحيوية في المنطقة، مثل مضيق هرمز ، وباب المندب ، الذي يُعد أحد أهم شرايين الطاقة والتجارة العالمية. ومن شأن هذه التغيرات أن تعيد رسم شبكات النفوذ والتحالفات الاقتصادية، وأن تدفع الدول الكبرى إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية في غرب آسيا.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المنطقة قد تكون بالفعل على أعتاب مرحلة تحول استراتيجي عميق وغير مسبوق. ففي حال تراجع الدور العسكري الأمريكي وتبدل موازين الردع، قد نشهد إعادة صياغة كاملة للنظام الإقليمي، تتصدر فيه الجمهورية الاسلامية موقعاً أكثر مركزية في معادلات القوة، مع بروز قوى دولية أخرى تسعى لإعادة تشكيل التوازنات بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية.
