جليل هاشم البكّاء ||
من يراقب مسار الصراع مع إيران عبر العقود الماضية يكتشف حقيقة واحدة تتكرر بلا توقف: خصومها يعيدون الأخطاء نفسها مرة بعد مرة، وكأن الزمن لا يمنحهم فرصة للتعلم. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص المعلومات، بل في العجز عن فهم طبيعة المجتمع الإيراني، ذلك المجتمع الذي تعرّض لعقوبات وضغوط هائلة، لكنه في اللحظات المفصلية يعود ليظهر تماسكًا يفاجئ خصومه قبل أصدقائه.
لقد بنت بعض مراكز القرار في الولايات المتحدة وحلفائها تقديراتها لسنوات طويلة على تقارير ومعلومات قدمتها جماعات معارضة في الخارج. هذه الجماعات قدّمت نفسها باعتبارها صوت الشارع الإيراني، لكنها في الواقع كانت تقدم صورة مشوهة، مليئة بالأمنيات أكثر مما هي مليئة بالحقائق. لقد رسمت لهذه العواصم صورة عن شعب ينتظر لحظة الانفجار لإسقاط النظام، وعن مجتمع يقف على حافة التمرد، وعن ثورة فقدت جذورها. ومع مرور السنوات تبيّن أن هذه الرواية لم تكن سوى خداع كبير، خدع به المعارضون داعميهم قبل أن يخدعوا الرأي العام العالمي.
إن الخطأ الأكبر في هذه الحسابات هو تجاهل البعد التاريخي والنفسي للثورة في إيران. فهذه الثورة لم تكن مجرد تغيير سياسي عابر، بل تحوّلت إلى جزء من الهوية الوطنية لكثير من الإيرانيين. قد يختلف الناس في تفاصيل السياسات أو يعترضون على الأوضاع الاقتصادية أو ينتقدون المسؤولين، لكن هذا لا يعني أنهم مستعدون لتسليم بلدهم لخصومه أو السماح للقوى الخارجية بتحديد مصيرهم.
ولهذا تبدو المفارقة واضحة في كل مرة تتصاعد فيها التوترات. فبينما يطلق سياسيون مثل دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو تصريحاتهم متوقعين أن يتحرك الشارع الإيراني ضد دولته، يحدث العكس تمامًا. الشارع الذي توقعوا أن يثور يتحول إلى ساحات مزدحمة بالحشود، ليس ضد بلده، بل دفاعًا عنه. تخرج التظاهرات الكبيرة والمسيرات المليونية، ويرتفع خطاب المطالبة بالرد والقصاص، وكأن المجتمع يعيش حالة تعبئة وطنية لا حالة تمرد داخلي.
هذا المشهد يكشف عن فجوة هائلة بين ما يتخيله خصوم إيران وما يحدث فعليًا داخلها. فالشعب الذي واجه الحرب والعقوبات والضغوط لم يتصرف يومًا ككتلة قابلة للتوجيه من الخارج، بل أثبت مرارًا أن رد فعله في أوقات الخطر يميل إلى الالتفاف حول بلده بدل الانقسام عليه.
إن الذين يكررون التوقعات نفسها كل عام، ويرددون سيناريو تغيير النظام وكأنه حقيقة وشيكة، لا يفعلون سوى إعادة إنتاج الوهم ذاته. فهم لا ينظرون إلى الواقع كما هو، بل كما يتمنون أن يكون. وهنا تكمن المشكلة الكبرى: حين تتحول التمنيات إلى تقديرات سياسية، تصبح القرارات مبنية على الخيال لا على الوقائع.
لقد مرّت سنوات طويلة، وتعاقبت إدارات وحكومات، وتبدلت الظروف الدولية، لكن درسًا واحدًا بقي ثابتًا: من لا يفهم طبيعة الشعوب سيبقى أسير أخطائه. ولذلك يستمر المشهد كما هو؛ توقعات تتكرر، رهانات تسقط، وشعب يثبت في كل مرة أن من يراهن على انهياره لا يفهمه.
وهكذا يبدو أن الزمن قد علم الكثيرين دروسًا قاسية، لكنه لم ينجح بعد في تعليم أولئك الذين يصرون على تجاهل الحقيقة. ففي السياسة، كما في الحياة، قد يخطئ الإنسان مرة أو مرتين، أما من يكرر الخطأ نفسه لعقود، فذلك لأن المشكلة ليست في الأحداث، بل في العقول التي ترفض أن تتعلم.
