جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف دور المرجعية وحدود ولاية الفقيه..!

دور المرجعية وحدود ولاية الفقيه..!

حجم الخط

 


الباحث رياض البغدادي ||

إنّ التشيّع الإمامي قد استقرّ عبر قرونه المتعاقبة على نظامٍ مرجعيٍّ رصين، تمثّله المرجعية الدينية العليا، التي تُناط بها مهمّة استنباط الحكم الشرعي وبيان الموقف في القضايا العامة، ولا سيّما ما يرتبط بمصالح الأمة ومصيرها، وهذه المرجعية بما لها من مقام علمي وروحي، لا تتصدّى عادةً لمباشرة التنفيذ الميداني، بل تُلقي بمسؤولية التحرك والتطبيق على عاتق القوى الفاعلة في المجتمع من أبناء الأمة ومؤسساتها، كالعشائر، والاحزاب، والحركات، والتنظيمات السياسية، والجمعيات الاجتماعية وغيرها..

ومن الشواهد البارزة على ذلك ما صدر عنها إبّان اجتياح تنظيم داعش لأراضي العراق، حيث بيّنت الحكم الشرعي بوجوب الدفاع، ودعت كلّ قادرٍ إلى حمل السلاح والذود عن الدين والمذهب وحفظ البلاد والعباد، غير أنّها مع وضوح هذا النداء، لم تتولَّ بنفسها عملية التعبئة العسكرية، ولا إدارة المعسكرات، ولا توزيع السلاح، إذ إنّ وظيفتها الأساس تنحصر في تشخيص التكليف الشرعي، لا في مباشرة تنفيذه على أرض الواقع…

وهذا النهج يعد امتدادًا لسيرةٍ تاريخيةٍ طويلة انتهجتها المرجعية، حيث حافظت على موقعها كمرجِعٍ أعلى يُرشد ويوجّه، دون أن تنخرط مباشرةً في مواجهة السلطة أو العدو، وبهذا الأسلوب صانت المذهب من تبعات الإخفاقات السياسية أو العسكرية، إذ لا تُنسب نتائج الفشل إلى أصل المرجعية، مما أسهم في حفظ كيان المذهب واستمراريته عبر العصور…

غير أنّ التحوّل الذي أعقب نهضة الامام روح الله الخميني رضوان الله تعالى عليه أفضى إلى بروز موقعٍ آخر في بنية النظام الشيعي، وهو موقع ولاية الفقيه، وهذا الموقع وإن لم يُطرح بديلاً عن المرجعية التقليدية، ولا منافساً لها، إلا أنّه يتّسم بسعةٍ في الدور تتجاوز الإطار العلمي والروحي، ليشمل القيادة التنفيذية والإدارة المباشرة لشؤون المجتمع والدولة…

وعليه، فإنّ ولاية الفقيه تتحمّل تبعات قراراتها، لأنّها تُنفَّذ من خلال مؤسساتٍ مرتبطة بها إدارياً، كالسّلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية، فكلّ مواجهةٍ تُدار ضمن هذا الإطار، فإنّ نتائجها—نجاحاً أو إخفاقاً—تُحسب على هذا الموقع القيادي، بوصفه صاحب القرار والمباشر للتنفيذ…

ومن هنا، يتّضح وجه الحكمة في عدم اندماج مسار المرجعية الدينية مع مسار ولاية الفقيه اندماجاً تاماً في ميادين المواجهة، إذ لو اجتمعا على خطٍّ واحدٍ في كلّ تفصيل، ثم وقع الفشل—لا سمح الله—لأدّى ذلك إلى تعرّض كلا الموقعين لآثار الانهيار، بما يُفضي إلى فقدان الأمة لقياداتها الروحية والعلمية، وهو ما يجرّ إلى حالةٍ من الضياع والاضطراب…

لذلك، تُلحظ في بيانات المرجعية وتوجيهاتها لغةٌ حذرة، تتّسم بضبطٍ دقيق في التعبير، وتجنّبٍ للمواجهة المباشرة، حفاظاً على موقعها الجامع، وصوناً لدورها التاريخي في هداية الأمة وإرشادها، بعيداً عن الانخراط الكامل في صراعاتٍ قد تُفضي إلى نتائج لا تُحمد عقباها…

فالأدوار يجب ان تتعدد … والعنب يجب ان لا يكون في سلةٍ واحدة كما يقول المثل العراقي…


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال