جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف أربعون يوماً والحضور مستمر ويتجلى في الميدان.. بوصلة المواقف..!

أربعون يوماً والحضور مستمر ويتجلى في الميدان.. بوصلة المواقف..!

حجم الخط

 

جليل هاشم البكاء || 


لم تكن الأربعون يوماً التي مضت على استشهاد القائد السيد علي الخامنئي رضوان الله علیه، مجرد زمن يُقاس بالأيام، بل كانت اختباراً حقيقياً لمدى رسوخ المشروع الذي حمله، وعمق الأثر الذي تركه في الوعي والوجدان. فالقادة يُقاسون بما يتركونه بعد رحيلهم، لا بما يملكونه في حياتهم، وقد أثبتت هذه الفترة أن الشهيد لم يكن حالة عابرة، بل كان مدرسة متكاملة لا تزال فاعلة، نابضة، تتحرك في الميدان كما لو أنه لم يغب.

لقد كان دوره محورياً في مواجهة الاستكبار العالمي، ليس بالشعارات، بل بالفعل المنظم، والرؤية الواضحة، والإرادة التي لا تنكسر. وقف في وجه أعقد المشاريع التي استهدفت الأمة، وكان في طليعة من تصدّى للكيان الصهيوني، ليس فقط عسكرياً، بل سياسياً وثقافياً وإعلامياً، حيث أعاد تعريف الصراع بوصفه صراع وجود لا حدود. وقد شكّل دعمه الشامل لفلسطين نموذجاً نادراً في الالتزام، فلم يكن دعماً ظرفياً أو خطابياً، بل كان دعماً استراتيجياً طويل النفس، أسهم في تحويل معادلات القوة على الأرض.

إن ما تحقق من حضور لإيران في مواجهة أقوى وأعظم دول العالم لم يكن وليد لحظة، بل كان ثمرة تراكم طويل من الإعداد والتخطيط، وكان الشهيد أحد أبرز أعمدته. فقد نجح في تحويل التحديات إلى فرص، والضغوط إلى عناصر قوة، حتى أصبحت إيران رقماً صعباً في المعادلة الدولية، قادرة على فرض إرادتها في أكثر من ساحة. وهذا كله يشكّل جزءاً من الإرث الكبير الذي تركه، إرث لا يُختزل في إنجاز عسكري أو سياسي، بل في بناء منظومة متكاملة من الوعي والمقاومة.

وعند التوقف عند صفاته الشخصية، يتجلّى سر تأثيره. فقد جمع بين الحزم والمرونة، وبين الصرامة في الموقف واللين في التعامل. كان بسيطاً في معيشته إلى حد يثير الدهشة، بعيداً عن مظاهر الترف التي تميّز كثيراً من القادة، قريباً من الناس، يشعر بآلامهم، ويتحرك من أجلهم. لم تكن السلطة بالنسبة له امتيازاً، بل مسؤولية ثقيلة.

في الجانب العلمي، لم يكن قائداً ميدانياً فقط، بل كان صاحب رؤية فكرية عميقة، يدرك طبيعة الصراع وتعقيداته، ويقرأ المستقبل بعين استراتيجية. وفي المجال الثقافي، عمل على ترسيخ ثقافة المقاومة، وربطها بالهوية الدينية والقيم الإنسانية، فصارت جزءاً من الوعي الجمعي لا مجرد خيار سياسي.

أما في أخلاقه، فقد كان مثالاً للالتزام الديني الصادق، يظهر ذلك في سلوكه اليومي، وفي تواضعه، وفي تعامله مع الآخرين، حتى مع خصومه. لم يكن يرى في الدين مجرد شعائر، بل منهج حياة متكامل، ينعكس في كل تفاصيله. وفي قضايا مثل حقوق المرأة، كان يؤمن بدورها الفاعل في المجتمع، ضمن إطار يحفظ كرامتها وهويتها، بعيداً عن الاستغلال أو التهميش.

وعند مقارنته ببقية القادة السياسيين والدينيين في العالم، يتضح الفارق جلياً. فكثير من القادة ارتبطت مشاريعهم بمصالح آنية أو حسابات ضيقة، بينما كان مشروعه يتجاوز الحدود الجغرافية، ويتصل بقضايا الأمة الكبرى. بعضهم عاش للسلطة، بينما عاش هو للفكرة. بعضهم صنع لنفسه مجداً إعلامياً، بينما صنع هو مجداً ميدانياً يتحدث عنه الواقع لا الخطابات.

لقد رحل الجسد، لكن الحضور لم يغب. بل ربما ازداد وضوحاً، لأن الدم الذي سُفك لم يكن نهاية، بل بداية لمرحلة جديدة. مرحلة تثبت أن الرجال الذين يصنعون التاريخ لا ينتهون بموتهم، بل يتحولون إلى طاقة دافعة، وإلى رمز يلهم الأجيال.

أربعون يوماً، وما زال صوته يُسمع في المواقف، وروحه تُرى في الثبات، وأثره يتجلى في كل ساحة مواجهة. وكأن الشهادة لم تكن خاتمة، بل ولادة جديدة، حضورها أوسع، وتأثيرها أعمق، ومسيرتها مستمرة لا تعرف التوقف.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال