يونس الكعبي ||
دخل الصراع الأيراني – الأمريكي – الأسرائيلي منعطفاّ لم يشهده التأريخ العسكري الحديث ، فالمعلومات الواردة عن إسقاط طائرات متطورة مثل (F- 35) و (F-15E) ، وأستهداف مسيرات ال (MQ-9) بكثافة ، لم تعد مجرد حوادث عرضية ، بل هي أعلان رسمي عن تحول جذري في توازن القوى فوق سماء المنطقة.
لسنوات طويلة كان التفوق الجوي هو بيضة القبان في الأستراتيجية الأمريكية . لكن اليوم ، تظهر الدفاعات الجوية الأيرانية ، وعلى رأسها منظومات “خاتم الأنبياء” و”باور373″ المطورة ، قدرة غير مسبوقة على تحييد الشبحيات الأمريكية.
الأعترافات الأمريكية بسقوط مقاتلات في وسط أيران وفي مياه الخليج وأرسال فرق أنقاذ للطيارين وارسال العديد من الطائرات الأمريكية نداءات أستغاثة للهبوط اضطرارياّ في أقرب مطار من مطارات الدول الحليفة لأمريكا يعني أن المجال الجوي الأيراني أصبح منطقة محرمة.
تزامناّ مع ذلك ، فأن كثافة الرشقات الصاروخية التي تستهدف العمق الأسرائيلي ، وبلوغها أهدافاّ حيوية في تل أبيب ، تؤكد أن منظومات الأعتراض (القبة الحديدية ومقلاع داوود) تواجه حالة تشبع تقني لاتستطيع ملاحقته.
من يدير دفة الحرب؟
المشهد الحالي يدار بعقلية الحرب الهجينة ؛ فأيران تدير المعركة بتكتيك الاستنزاف الذكي ، حيث تستخدم صواريخ ومسيرات منخفضة الكلفة لأستنزاف صواريخ أعتراضية باهضة الثمن ، مع الأحتفاظ بالضربة القاضية للدفاع عن منشآتها الحيوية. بينما الولايات المتحدة الأمريكية تجد نفسها في مأزق ؛ فهي توازن بين الرغبة في حماية اسرائيل وبين خطر الأنزلاق إلى حرب أقليمية شاملة قد تحرق قواعدها في قطر والبحرين والعراق والكويت والإمارات والسعودية. أسرائيل من جهتها تحاول أستعادة الردع عبر عمليات أستهداف لمواقع نووية وعسكرية ، لكنها تصطدم بجدار دفاعي أيراني يزداد صلابة.
دور الدب الروسي والتنين الصيني:
لا يمكن فهم هذا القفز في القدرات الأيرانية دون النظر إلى الشركاء الأستراتيجيين في الشرق ، تشير التقارير إلى أن موسكو ، وبدافع الرد على الدعم الغربي لأوكرانيا ، تزود طهران ببيانات أستخبارية فورية من الأقمار الصناعية (SIGNT) ، مما يمنح الأيرانيين قدرة على كشف تحركات السفن والطائرات الأمريكية قبل وصولها لمداها القاتل . كما أن نقل الخبرات في الحروب الألكترونية ساعد أيران في خطف وتعطيل المسيرات المتطورة.
الصين بعلاقاتها المتميزة مع إيران تلعب دور المختبر التكنولوجي ، حيث وصلت قطع غيار ورقائق إلكترونية متطورة مكنت أيران من تطوير صواريخ فرط صوتية (Hypersonic) . الصين لا تريد حرباّ تعطل أمدادات النفط ، لكنها تسعى لأشغال واشنطن في الشرق الأوسط بعيداّ عن تايوان وبحر الصين الجنوبي.
إلى أين تتجه البوصلة؟
نحن الآن أمام سيناريوهين لا ثالث لهما :
– سيناريو الأنفجار الشامل : أذا أستمرت أيران في أسقاط الطائرات المأهولة وأسر طيارين ، فقد يشن التحالف (الأمريكي – الأسرائيلي) ضربة “مطرقة منتصف الليل” شاملة تستهدف القيادة السياسية والعسكرية العليا في طهران ، وأستهداف مراكز الطاقة وحقول النفط والبنى التحتية كأنتقام على عدم استسلام طهران للشروط الأمريكية.
– سيناريو الهدنة القسرية : أن تدرك واشنطن أن كلفة الحرب المباشرة مع أيران المدعومة تقنياّ من روسيا والصين ستكون باهضة جداّ أقتصادياّ وعسكرياّ ، مما قد يدفع نحو تسوية دولية كبرى تعيد رسم خارطة النفوذ في المنطقة.
الخلاصة : أيران لم تعد قوة أقليمية محاصرة فحسب ، بل أصبحت رأس حربة في محور شرقي يهدف إلى أنهاء القطبية الأمريكية الواحدة ، وما يسقط اليوم في سماء أصفهان وخرم آباد هو أكثر من مجرد حطام طائرات ؛
