د. أحمد الخاقاني ||
منذ أيام وأنا أحاول أن أكتب مقال اعبر فيه بعمق عن هذا التحول الصامت في الوعي العربي والإسلامي، بل والإنساني عموماً، في فهم التشيع والشيعة؛ ذلك الفهم الذي لم يتشكل دفعة واحدة،
بل تراكم عبر قرون طويلة من الدم المسفوك والثبات الذي لم يتزعزع. فليس من السهل أن تمر هذه المسيرة المثقلة بالتضحيات دون أن تترك أثرها في الضمير الجمعي، ولا أن تبقى عقيدة صمدت أمام هذا الامتحان القاسي بعيدة عن دائرة التساؤل والبحث وإن ما يتشكل اليوم ليس مجرد تعاطف عابر، بل إعادة قراءة عميقة لمسار تاريخي كُتب بالدم، وثُبت بالموقف، وأعاد فرض نفسه على الوعي بوصفه تجربة حية في الإيمان والثبات.
المقال :
ليس من الدقّة أن نقرأ الحروب بوصفها صراعا على الجغرافيا فحسب، بل هي في كثير من وجوهها لحظات انكشاف عميق تعيد تشكيل الوعي، وتدفع العقول إلى إعادة النظر في المسلمات التي طالما بدت ثابتة. وما جرى من عدوان صيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا يمكن حبسه في إطار الحدث العسكري، لأنه تجاوز ذلك ليصبح واقعة كاشفة، أزاحت كثيرا من الغبار عن صورة التشيع في الذهن الإسلامي والعالمي، وأعادت طرحه بوصفه تجربة حية في الموقف لا مجرد انتماء مذهبي موروث.
وإن المتتبع الواعي الحصيف يرى كيف اشتغلت الآلة الإعلامية لعقود طويلة بل لقرون على تقديم التشيع في صورة ضيقة، إما بوصفه خلافا تاريخيا، أو حالة مذهبية مغلقة، لكن لحظة العدوان قلبت المعادلة؛ إذ لم يعد السؤال: ماذا يقول الشيعة؟
بل أصبح: ماذا يفعلون حين يُختبرون؟ وهنا تحديدا بدأ التحول الحقيقي في الوعي، لأن الإنسان حين يرى جماعة تُستهدف بهذا الحجم من القوة، ثم يجدها ثابتة في مواقفها، مستعدة لدفع أثمان باهظة دفاعا عن قضاياها، فإنه بطبيعته يعيد طرح السؤال الأولي المهم جداً والذي يخلق النقل النوعية :
لماذا هذا الاستهداف للشيعة؟ وما الذي يجعل هذه الجماعة تحديدا هدفا دائما؟
ومن هذا السؤال البسيط تتولد أسئلة أعمق تقود تدريجيا إلى مراجعة الصور النمطية، والبحث عن الحقيقة من مصادرها لا من روايات الخصوم.
وفي خضم هذه التساؤلات وتخرج النتائج ، حيث لم يعد التشيع يُقرأ بوصفه سردية تاريخية مرتبطة بأحداث الماضي، بل بوصفه امتدادا حيا لمدرسة أهل البيت عليهم السلام في مواجهة الظلم، وهو ما جعل كثيرا من الناس، وخصوصا في العالمين العربي والإسلامي، ينظرون إليه من زاوية جديدة؛ زاوية الموقف لا الهوية، وزاوية الفعل لا الوصف. وحين يتحول المذهب إلى مشروع مقاومة، فإنه يخرج من الإطار الضيق إلى أفق أوسع، حيث يصبح معيار القرب منه هو مقدار الانحياز إلى الحق، لا مجرد الانتماء الاسمي.
ومن طبيعة النفس الإنسانية أنها تقرأ الحق كثيرا من خلال المظلومية، فحين ترى أمة تُستهدف عسكريا وإعلاميا وسياسيا بهذا الشكل المركب، فإن ذلك لا يمر مرورا عاديا، بل يفتح بابا للتساؤل العميق: هل هذا الاستهداف نتيجة خطأ، أم نتيجة موقف؟
ومع تراكم المشاهد، ومع تكرار صورة الثبات والصمود، تتشكل قناعة تدريجية لدى شريحة واسعة من الناس بأن المسألة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة، لتلامس بعدا قيميا يرتبط بفكرة الحق والباطل، وهو ما يُفسر ازدياد الاهتمام بالتشيع، بل والتوجه نحوه من قبل أفراد من خلفيات مختلفة، بدافع البحث عن هذا المعنى الذي تجلى في الواقع لا في التنظير.
وفي قلب هذه اللحظة، برزت السردية المرتبطة باستشهاد السيد المستطاب ولي الفقيه الإمام علي خامنئي”طاب ثراه” بوصفها لحظة رمزية كثيفة الدلالة، إذ إن القيمة الرمزية هنا لا تتوقف عند حدود الحدث، بل تتجاوزها إلى الصورة التي ترسخت في الوعي العام: قائد لم يغادر موقعه، ولم يبحث عن ملاذ آمن، بل بقي في قلب الميدان، يدير المواجهة ويشارك شعبه مصيره. وهذه الصورة، في منطق الحركات الكبرى، كفيلة بأن تحول الشخص إلى فكرة، وأن تنقل القيادة من كونها موقع سلطة إلى كونها نموذج تضحية.
إن الزهد في هذا السياق لا يُفهم بوصفه انصرافا عن الدنيا بالمعنى الفردي، بل بوصفه تحررا من التعلق بالسلطة حين تصبح عبئا أخلاقيا، بحيث يكون القائد مستعدا لدفع حياته ثمنا للموقف الذي يتبناه. وهذا المعنى حين يتجسد في الواقع، لا يبقى خطابا نظريا، بل يتحول إلى حجة قائمة بذاتها، لأن الدم حين يُسفك في سبيل فكرة، يمنحها نوعا من الصدقية لا يمكن لأي خطاب أن يمنحه.
ومن هنا يمكن فهم التحول الأعمق الذي أحدثه هذا الحدث؛ إذ لم يعد التشيع يُنظر إليه بوصفه هوية مذهبية فحسب، بل بوصفه طريقا في فهم الدين، ومنهجا في قراءة التاريخ، ونموذجا في الجمع بين العقيدة والموقف السياسي. وهذا التحول لا يحدث بضجيج، بل يتسلل بهدوء إلى العقول، ليعيد تشكيلها من الداخل، وهو ما يجعله أخطر من أي تأثير مباشر، لأنه تأثير طويل الأمد، يعيد ترتيب الأولويات، ويغير معايير الحكم على الأشياء.
وعند هذه النقطة، يصبح من الممكن القول إن الحروب لا تُقاس دائما بنتائجها العسكرية، لأن هناك نوعا آخر من الانتصارات، لا يظهر في الخرائط، بل في الوعي؛
انتصار الفكرة حين تثبت قدرتها على الصمود، وانتصار النموذج حين يقنع الآخرين بأنه قابل للاقتداء، وانتصار المعنى حين ينجو من محاولات التشويه. وفي هذا الإطار، يمكن قراءة ما جرى بوصفه لحظة أعادت تقديم التشيع إلى العالم، لا عبر الكتب والمناظرات، بل عبر الموقف والدم، وهو تقديم يختلف في طبيعته وتأثيره عن كل ما سبقه.
ويمكنني القول بأن الخلاصة الأعمق في كل ذلك أن بعض الأحداث، رغم قسوتها، لا تكون مجرد خسارة، بل تتحول إلى نقطة انعطاف، تفتح أعين الناس على حقائق لم يكونوا يرونها بوضوح، وتجعلهم يعيدون طرح السؤال الأهم: أين يقف الحق، ومن الذي يدفع ثمنه؟ وفي مثل هذه اللحظات، لا يعود الجواب نظريا، بل يصبح مكتوبا بوضوح في سلوك الجماعات، وفي مقدار ما هي مستعدة أن تقدمه دفاعا عما تؤمن به، وحينها يتحول التاريخ من مجرد سرد للأحداث إلى شهادة على المعاني.
