حسن عبد الهادي العگيلي
ثمة نوع من السياسيين يشبه من يُطفئ الحريق بالوقود، ويسمّي ذلك جرأةً. وترامب، بحصاره البحري المُعلن على الموانئ الإيرانية، لا يفعل شيئًا مختلفًا؛ إنه يُكرّر لعبة الإكراه ذاتها التي مارستها واشنطن منذ ست وأربعين عامًا، ولم تحسم بها شيئًا، لكنه هذه المرة يُضاعف الرهان في لحظة يعرف فيها — أو يجب أن يعرف — أن الطاولة مائلة ضده.
الحرب العسكرية لم تُسقط الجمهورية الإسلامية، والمفاوضات في إسلام آباد لم تُنتج اختراقًا يُذكر، وانتهت دون أن تحمل معها سوى الوعود المعلّقة والصمت المريب. ومن يُتابع مسار واشنطن في هذه الأزمة يُدرك أنها تتنقل من أداة إلى أخرى كمن يجرّب مفاتيح لا تفتح أيٌّ منها الباب؛ فبعد أن أخفقت الحرب وأخفقت الدبلوماسية، جاء الحصار البحري ليأخذ دوره في مسرحية الفشل المتسلسل، وكأن واشنطن تنتقل من فصل إلى فصل غير مدركة أن الجمهور لم يعد يُصفق.
الجغرافيا في السياسة ليست خلفية مشهد، بل هي نص القصيدة ذاتها. وإيران التي تمتلك حدودًا برية تمتد لأكثر من خمسة آلاف وخمسمئة كيلومتر مع سبع دول — من أفغانستان وباكستان شرقًا، إلى تركيا والعراق غربًا، وصولًا إلى جمهوريات آسيا الوسطى شمالًا — لن تختنق حين تُغلَق عليها البحار؛
ستتنفس من البر، وستُعيد رسم خرائط إمدادها ببرود من خاض حصارًا ثلاثة وأربعين عامًا ولم يستسلم. الحصار البحري في مثل هذه الجغرافيا لا يُوجع المُحاصَر بقدر ما يكشف محدودية المُحاصِر.
وفي المقابل، ثمة مضيقان يعرف الاقتصاد العالمي اسميهما جيدًا: هرمز وباب المندب. الأول إيراني بالقدرة والموقع وليس فقط بالحق، إذ تُشير تقديرات وكالة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن نحو خمس وعشرين بالمئة من إجمالي تجارة النفط العالمية تعبر هرمز يوميًا. والثاني ورقة ضغط مفتوحة في يد من يحسن توقيت اللعب،
وقد أثبتت عمليات الحوثيين في البحر الأحمر خلال الفترة الأخيرة أن باب المندب ليس معبرًا آمنًا حين تشتعل المنطقة. حين تُضيِّق أمريكا على إيران في البحر، فإنها تمنحها مبررًا أخلاقيًا وسياسيًا لتضييق الخناق على شريان الطاقة الذي يُغذي اقتصادات آسيا وأوروبا، ومن يظن أن هذا لن يحدث فهو يستهين بعقلانية طهران الاستراتيجية.
والغريب في هذا كله أن الحصار الاقتصادي على إيران ليس جديدًا؛ إنه الملامح ذاتها التي رافقت الجمهورية الإسلامية منذ يومها الأول عام تسعة وسبعين، حين جمّدت واشنطن الأصول الإيرانية إثر أزمة الرهائن، ولم تتوقف منذ ذلك الحين عن إضافة طبقة عقوبات فوق أخرى. وعلى مدى أربعة عقود ونيّف، شهدنا أجيالًا من الضغوط والحرب بالوكالة والحرب المباشرة، وبقيت إيران. لا لأنها لم تتأذَّ — فقد تأذّت كثيرًا — بل لأن الأذى صنع فيها ما لا تصنعه الرفاهية: قدرةً على التحمل، وبنيةً ذاتية، وإرادةً لا تنكسر بالضغط.
اليوم، حين تُعلن واشنطن حصارها وهي لا تزال تُفاوض من خلف الستار — وقد كشفت تقارير متعددة أن قناة خلفية تعمل عبر وسطاء في سلطنة عُمان — فإنها تكشف أن الحصار ليس خطة نصر، بل هو ورقة مزايدة. ورقة يعرف الطرف الآخر قيمتها الحقيقية، وهو يُمسك في يده الأخرى مضيق هرمز.
والمشهد الختامي لا يحتمل كثيرًا من الغموض؛ إما أن تتوصل واشنطن وطهران إلى تسوية، فتُفرج الأولى عن أصول مجمدة منذ سبع وأربعين عامًا، وترفع قيودًا على النفط الإيراني، وتعترف ضمنيًا بفشل سياسة الإكراه — وهذا انتصار إيراني بصيغة دبلوماسية.
وإما ألّا يتوصلا إلى شيء، فتنتقل طهران إلى مرحلة الاستثمار في موقعها الجغرافي، وتبدأ بفرض رسوم على العبور في هرمز، وتُحوِّل بذلك الحصار المفروض عليها إلى مورد مالي يُعادل — أو يتجاوز — عائدات النفط التي أُريد بالحصار وأدها. في كلا السيناريوين تخسر واشنطن شيئًا: في الأول تخسر هيبة الإكراه، وفي الثاني تخسر عقول حلفائها الذين سيتساءلون لماذا يدفعون ثمن مغامرة رعناء في مضيق لا يريدون إغلاقه.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، إنه الحجة الجغرافية الدامغة التي تجعل الحصار البحري على إيران فكرة معكوسة بطبيعتها؛ من يملك المضيق لا يُحاصَر من البحر، بل يُحاصِر. وحين تنتهي هذه الجولة من المواجهة، مهما طال أمدها، ستجد الجمهورية الإسلامية نفسها في موقع أكثر رسوخًا مما كانت عليه قبلها: قوة صمدت، وتعلّمت، وأعادت ترتيب أوراقها في ظروف أقسى ما يكون.
وسيجد ترامب — إن كان لا يزال يشغل المشهد — أن القرصنة على الخرائط البحرية لا تُنتج سوى موجات تعود إلى شاطئ من أطلقها. النصر في هذه المعادلة لن يكون بالضرورة صاخبًا، لكنه سيكون حقيقيًا — سياسيًا واقتصاديًا وجيوستراتيجيًا — حليفَ الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
