سلام جاسم الطائي ||
تحوّل المعادلة السياسية في العراق لم يعد مجرّد قراءةٍ تحليلية، بل حقيقةٌ تتكشّف ملامحها يومًا بعد آخر؛ من أفول جيلٍ تقليدي استنزف أدواته، إلى صعود قيادةٍ فاعلة تعيد رسم اتجاهات المشهد وتفرض إيقاعًا جديدًا يتناسب مع طبيعة المرحلة وتعقيداتها.
ما يجري اليوم هو امتدادٌ لمسارٍ طويل من التحوّلات التي أعادت تشكيل موازين القوة داخل النظام السياسي؛ جيلٌ بقي أسير مقارباتٍ تقليدية لم تعد قادرة على إنتاج الحلول، متمسّكًا بصورةٍ ذهنية عن الزعامة لم يعد لها حضورٌ فعلي في واقعٍ يتغيّر بوتيرة متسارعة.
في المقابل، يتقدّم جيلٌ جديد، لا بوصفه بديلًا طارئًا، بل كاستحقاقٍ تاريخي تفرضه سنن التغيير. جيلٌ أكثر التصاقًا بالواقع، يمتلك أدواتٍ مرنة، ووعيًا أعمق بطبيعة التحديات، وقدرةً أعلى على قراءة التحوّلات وصياغة ملامح المرحلة وفق معايير الأداء لا إرث العناوين.
ذلك الذي كان يُوصَف يومًا بـ”الجيل الثاني”، لم يعد في موقع الانتظار، بل بات القوة الأكثر تأثيرًا في توجيه المسار العام وصناعة القرار، ومنح الشرعية لمن يستحقها ضمن معادلةٍ جديدة عنوانها الفعل لا الادّعاء.
وليست كلّ المعارك تُخاض بالسلاح؛ فبعضها يُخاض في ميدان المعنى، حيث يتمايز من يحمل موقفًا عمّن يطارد صورة. وفي اللحظات التي اقترب فيها الخطر من العراق، برز دور الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق سماحة الشيخ قيس الخزعلي لا كاسمٍ عابر في المشهد، بل كحضورٍ متقدّم حين يتراجع الكثير، وكقوةٍ فاعلة تسدّ فراغ القرار وتُعيد ضبط الإيقاع العام، بما يعكس إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة ومتطلباتها.
في ميزان العدالة، لا قيمة لمن يدّعي القرب من الحق إن لم يسبقه إليه. ومن عُرف عنه، أنّه إذا رأى ظلمًا، تجاوز حساباته الخاصة، وتقدّم بدافع إيمانٍ راسخ بأن نصرة المظلوم واجب لا يقبل التأجيل. ومن هنا، يتجلّى دوره ليس فقط في المتابعة، بل في المبادرة والتأثير، وتشخيص مكامن الخلل، والدفع باتجاه تصحيح المسارات بما يحفظ استقرار الدولة ويعزّز تماسكها.
أما ما يُثار من ضجيجٍ ومحاولات تشويش، فلا يعدو كونه ارتدادًا طبيعيًا أمام حضورٍ أثبته الفعل؛ فالقامات لا تُقاس بما يُقال عنها في لحظات الجدل، بل بما يبقى من أثرها حين تهدأ العواصف… وهناك، يتّضح الفارق بين من يصنع الموقف، ومن يكتفي بملاحقة صداه.
إنها لحظة انتقالٍ واضحة، زمنٌ يتراجع تحت وطأة عجزه، وزمنٌ يتقدّم برجاله وأدواته… وفي قلب هذه المعادلة، تبرز القيادات التي تدرك طبيعة التحوّل وتُحسن إدارته، لتبقى فاعلة في صناعة المستقبل، لا على هامشه
