د. عامر الطائي ||
إنّ قراءة التاريخ الشيعي لا يمكن أن تستقيم دون التوقف ملياً عند المحطة المفصلية التي مثلها العلامة الحلي (طاب ثراه).
فنحن لا نتحدث هنا عن مجرد فقيه أنتج “تذكرة الفقهاء” أو “منتهى المطلب”، بل نتحدث عن “المنظّر الأول” الذي نقل الفكر الشيعي من دائرة الانكفاء إلى دائرة التأثير السياسي والحضاري، وهي النواة التي استلهم منها الإمام الخميني (قدس سره) معالم دولته المباركة.
أولاً: العلامة الحلي.. التأسيس لكيان الأمة
لقد أدرك العلامة الحلي في القرن الثامن الهجري أن المذهب لا يمكن أن يحمي وجوده وكرامة أتباعه بمجرد العزلة.
بدخوله إلى بلاط السلطان “محمد خدابنده” وإقناعه بالتشيع، كان الحلي يضع الحجر الأساس لفكرة “الدولة الحامية للمذهب”. لقد حوّل التشيع من “أقلية مضطهدة” إلى “قوة فاعلة” في قلب الجغرافيا السياسية، مما خلق حاضنة شعبية وتاريخية في بلاد فارس (إيران) مهدت الطريق، عبر قرون، لظهور دولة ولاية الفقيه المعاصرة.
ثانياً: دولة الإمام الخميني.. الصمود كخيار وجودي
حينما أعلن الإمام الخميني قيام الجمهورية الإسلامية، لم يكن يهدف فقط إلى تغيير نظام سياسي، بل كان يستحضر تلك القوة الكامنة في “الاجتهاد الحي” الذي رسخه الحلي. إن الجمهورية الإسلامية اليوم تمثل التجسيد الواقعي لمفهوم “عزة الإسلام”.
لقد واجهت هذه الدولة منذ فجرها ضغوطاً لم تشهدها أمة من قبل، لكنها وقفت كصخرة صلبة أمام ما نراه اليوم من “توحش صهيوني-أمريكي”. إن الصمود الإيراني ليس “عناداً سياسياً”، بل هو نتاج تربية فقهية وعقائدية ترى أن الانكسار أمام الظالم هو خروج عن مقتضى الإيمان.
ثالثاً: المواجهة مع التوحش الصهيوني والأمريكي
إن ما نشهده اليوم من غطرسة تقودها الإدارة الأمريكية، ومن إجرام ممنهج يمارسه الكيان الصهيوني، وضع العالم أمام اختبار أخلاقي وحضاري. وفي هذا المشهد، تبرز الجمهورية الصابرة ليس كطرف سياسي فحسب، بل كجبهة أخلاقية تقف خلفها بصيرة الفقيه وشجاعة القائد.
إن “توحش” القوى الكبرى يهدف إلى كسر “إرادة المقاومة” في الأمة، ولكن ما فات هؤلاء أن هذه الأمة تنهل من مدرسة العلامة الحلي الذي علّمها أن “الحجة” تسبق “السيف”، وأن الحق إذا استند إلى منطقٍ قويم وجماهير مؤمنة، لا يمكن له أن يهزم.
رابعاً: إيران.. الجمهورية المؤمنة في قلب العاصفة
إن سر صمود إيران أمام العقوبات والمؤامرات يكمن في “الروح الجمعية” التي صقلتها الحوزات العلمية والوعي الحركي. إنها الجمهورية المؤمنة التي استطاعت أن تزاوج بين “الفقاهة” وبين “التحدي الميداني”. إن وقوف إيران اليوم في وجه الأطماع الصهيونية هو استمرار لخط العلامة الحلي في حماية بيضة الإسلام والدفاع عن المستضعفين، وهو التكليف الشرعي الذي لا يتغير بتغير الزمان.
إن الربط بين عبقرية العلامة الحلي وبين صلابة الدولة الخمينية هو ربط بين “الجذر” و”الثمرة”. فالحلي أعطى المذهب أدوات البقاء والاحتجاج، والخميني حول هذه الأدوات إلى واقع سياسي واقتدار عسكري يقف اليوم حائلاً دون ابتلاع المنطقة من قبل قوى التوحش العالمي. إنها مسيرة الصمود التي بدأت بمداد العلماء، وتستمر اليوم بدم الشهداء وثبات المؤمنين.
