د. عبد الله علي هاشم الذارحي ||
في لحظةٍ تتكشّف فيها الوقائع بلا رتوش، لم تعد الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية، إنما تحوّلت إلى فضيحة استراتيجية مدوّية.
جاء اعتراف جون كيري بأن مبررات العدوان الصهيو أمريكي على إيران كانت كاذبة، لم يكن تفصيلاً عابرًا، لكنه كشف انهيارًا للرواية التي بُنيت عليها الحرب.
وعندما تأتي هذه الشهادة من داخل البيت الأمريكي نفسه، فإنها لا تدين فقط روايةكيان العدو، بقدر ما تضع
المشروع الإجرامي بأكمله في قفص الاتهام.
هنا لم تعد المسألة روايات متضاربة،بل انكشافًا فجًّا لأكذوبة كبرى كانت غطاءً لعدوان غير محسوب النتائج.
بالتالي سقطت هيمنة امريكا واستنزافت نصف مخزون الصواريخ الأمريكية خلال أسابيع، كما سقطت صورة القوة التي لا تُستنزف.
لم تعد واشنطن تقاتل بثقة، لكنها تحسب ما تبقّى في مخازنها، وتبحث عن وقتٍ تنقذ به ما يمكن إنقاذه.
لقد كشفت إيران حقيقة القبضة الحديدية وماهي إلا قفازًا مهترئًا، وأن القدرة على الصمود في حرب استنزاف حقيقية ليست كما يُروَّج لها في استوديوهات الإعلام.
لأن ما حدث ويحدث ليس مجرد تعثّر، فهو انزلاق تدريجي من موقع الهيمنة إلى موقع التلقي والردّ.
ولاشك أن إيران تقود أمريكا إلى الإذلال، وميزان الردع تغيّر، وما كان يُفرض بالقوة، بات يُواجَه بإرادة وإدارة ورد أقسى.
واليوم في طهران، لم تعد اللغة دبلوماسية ملساء، لكنه خطاب قوة واضح: الطرف الخاسر لا يفرض شروطًا، وتمديد وقف إطلاق النار ليس مبادرة سلام، إنما محاولة لشراء الوقت وربما التحضير لغدر جديد.
غير أن الرسالة الأهم: زمن ردّ الفعل قد انتهى، وزمام المبادرة بات في يد من صمد وواجه وانتصر.
وما زالت إيران تحذر دول الجوار من إن استخدام الجغرافيا ضد إيران يعني توديع النفط، فقادة إيران لا يطلقون تهديدات إعلامية، بل يرسمون معادلة ردع جديدة عنوانها: أمن المنطقة مترابط… وأي اشتعال لن يبقى محصورًا.
أما في الداخل الأمريكي، تتسرّب ملامح التصدّع: استقالات داخل المؤسسة العسكرية، وتناقضات بين تصريحات المعتوه ترامب وتقارير البنتاغون، تكشف أن المعركة لم تُرهق المخازن فقط، بل أصابت بنية القرار نفسه.
فكيف يمكن لإدارةٍ أن تدّعي وفرة السلاح، بينما تقاريرها السرية تدق ناقوس الخطر؟.
الأخطر من ذلك، أن واشنطن لم تعد تملك ترف الحسم، فتصريح ترامب بأنه ليس في عجلة لإنهاء الحرب لا يعكس ثقة، فهو مأزقًا. يبين أن العاجز عن الحسم هو وحده من يشتري الوقت بالشعارات.
مما سبق وغبره يتبين أن ما جرى ويجري لم يكن مجرد حرب، إنما اختبارًا سقطت فيه أسطورة هيمنة الشيطان الاكبر.
فمن كان يملك قرار الحرب، لم يعد يملك قرار نهايتها، ومن كان يُملي الشروط، بات يلهث خلف مخرج يحفظ ماتبقى من ماء وجهه الذي تبخر في مضيق هرمز.
بينما إيران وقادة أحرار المقاومة يكتبون فصلٌ جديد يكون فيه العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، بقوة الله {وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ}.
