جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف تجزئة الملفات: مُناورة إيران بين الضغط والاحتواء..!

تجزئة الملفات: مُناورة إيران بين الضغط والاحتواء..!

حجم الخط

 

طه حسن الأركوازي || 


لم يعد التعاطي مع السلوك الإيراني في لحظة التصعيد الراهنة يُقرأ فقط من زاوية ردود الفعل المُباشرة ، ولا من منظور المُواجهة التقليدية بين خصوم يتبادلون الضغط والردع ، بل بات أقرب إلى فهم بُنية أستراتيجية تتعامل مع الصراع بوصفه عملية إدارة مُستمرة للتوازن لا معركة نهائية تُحسم بضربة واحدة .

من هذا المنظور ، تبدو سياسة تجزئة الملفات واحدة من أكثر المُقاربات حضوراً في إدارة طهران لأزماتها المُركبة ، سواء في ما يتعلق بالملف النووي ، أو العقوبات ، أو النفوذ الإقليمي ، أو أمن الممرات البحرية ، أو العلاقة مع واشنطن وتداعيات الضغط الإسرائيلي المتصاعد .

هذه المقاربة لا تنطلق من أفتراض القدرة على كسب مواجهة شاملة ، كما لا تقوم على التسليم بضغوط الخصوم ، بل تتحرك في المنطقة الرمادية بين الاحتواء والمناورة جوهرها يقوم على منع دمج الملفات في سلة تفاوضية واحدة ، وذلك لأن ربطها يرفع كُلفة التنازل ويُضعف هامش الحركة ، فيما يتيح فصلها توزيع الضغط ، وإعادة ترتيب الأولويات ، وأستخدام كُل ورقة في توقيت مُختلف وفق حسابات الميدان والسياسة معاً.

في هذا السياق ، لا يُقرأ السلوك الإيراني بوصفه مُجرد تكتيك تفاوضي قصير المدى ، بل كجُزء من نمط تفكير أستراتيجي تناولته دراسات صادرة عن مُؤسسات بحثية معنية بتحليل الصراعات الدولية من بينها قراءات مُتداولة في دوائر مثل “مجلس العلاقات الخارجية” و”مراكز دراسات أوروبية وأمريكية مُتخصصة” ، والتي تشير إلى أن طهران تميل تاريخياً إلى إدارة الأزمات عبر إطالة الزمن السياسي ، بدل الانخراط في حسم سريع عالي الكُلفة ، هذا النمط ظهر مُجدداً مع تصاعد الضغوط الأمريكية ، والتلويح الإسرائيلي المُستمر بخيارات أكثر صدامية ، حيث بدا أن إيران أعادت ترتيب أدواتها وفق مُقاربة توزيع المخاطر ، لا مواجهتها دفعة واحدة .

ضمن هذا الإطار ، يصبح التعامل مع مُضيق هرمز ، مثلًا ليس مُجرد ورقة ردع عسكري ، بل أداة ضغط جيوسياسي قابلة للتفعيل المحدود أو التعطيل المُؤقت وفق مُقتضى اللحظة ، دون أستنزافها في مسار تفاوضي واحد وينطبق الأمر ذاته على النفوذ الإقليمي الذي لا يُدار دائماً بأعتباره بنداً تفاوضياً مُباشراً ، بل كرصيد تأثير مُرتبط بمُعادلات الميدان وليس فقط بشروط التفاوض ،

ما قد يمنح هذه الاستراتيجية وزناً إضافياً هو أرتباطها بإدارة الزمن ، فبدل خوض صراع مفتوح ذي نهاية حاسمة يجري توزيع التوتر على مراحل بما يسمح بأمتصاص الصدمات ، وأختبار سلوك الخصوم ، وإعادة تشكيل البيئة السياسية المُحيطة ، هذه ليست فقط إدارة للأزمة ، بل إدارة للإدراك الدولي أيضاً ، من خلال منع تشكل إجماع ضاغط مُوحد ، وتحويل الضغوط من كُتلة مُركزة إلى ضغوط مُتفرقة أقل تأثيراً .

لكن في المقابل لا يعني ذلك أن هذه المُقاربة بلا حدود أو كلفة ، فالمعطيات الراهنة تُشير أيضاً إلى أن الولايات المتحدة ، مدفوعة بعقيدة ضغط قصوى مُعدلة ، تبدو أكثر ميلاً لدمج أدوات الردع العسكري والاقتصادي والدبلوماسي ، ضمن مسار يهدف إلى تضييق هامش المُناورة الإيراني ، وليس فقط تعديل سلوكه .

كما أن إسرائيل ، في ضوء تصاعد مُقاربتها الأمنية فأنها تدفع بأتجاه تقليص المسافة بين الردع الوقائي والاحتكاك المباشر ، بما يُضيف ضغطاً مُركباً على صانع القرار في طهران .

هُنا تتعقد المُعادلة ، فبينما تسعى إيران إلى تفكيك الضغوط عبر تجزئة الملفات ، يعمل خصومها في المقابل على إعادة تجميع هذه الملفات في إطار ضغط شامل ، وهذه هي نقطة الاشتباك الحقيقية بين المقاربتين :

الأولى : تُراهن على اللاحسم المُنظم .

الثانية : تميل نحو فرض حسم تدريجي مُتعدد الأدوات .

التطورات الأخيرة في المنطقة ، وما رافقها من تغيرات في مسارات الوساطة ، وحركة الممرات البحرية ، وإعادة أختبار قواعد الاشتباك غير المُباشر تشير إلى أن المشهد لا يتجه بالضرورة إلى حرب شاملة ، كما لا يقترب من تسوية نهائية وشيكة ، لكن الأرجح أن المنطقة تتحرك داخل نموذج “توازن هش قابل للاستمرار”، تُدار فيه الأزمات بدل حلها ، وتُستخدم فيه الأوراق الاستراتيجية تدريجياً لا دفُعة واحدة.

أستشرافياً ، يبدو أن مُستقبل هذه الاستراتيجية سيعتمد على قُدرة إيران على المُحافظة على الفصل بين الملفات ، ومنع خصومها من فرض ربط قسري بينها ، فإذا نجحت في ذلك فقد تواصل الحفاظ على هامش المُبادرة .

أما إذا تآكلت هذه القدرة تحت ضغط مُتزامن “أمريكي-إسرائيلي” ، فقد تتحول سياسة التجزئة ذاتها من أداة مُناورة إلى عبء أستراتيجي .

في الختام .. لا يُمكن قراءة تجزئة الملفات بوصفها علامة قوة مُطلقة ولا دليلاً على مأزق حتمي ، بل بأعتبارها مُحاولة لإدارة أختلال التوازن في بيئة إقليمية عالية السيولة.

إنها في جوهرها أستراتيجية لتأجيل الحسم ، وإعادة توزيع الكلفة ، والحفاظ على موقع تفاوضي في لحظة تتزاحم فيها الضغوط وتضيق فيها خيارات الجميع ، وهذا بحد ذاته قد يكون التوصيف الأدق للمشهد الراهن :

ليس صراعاً يتجه إلى نهاية واضحة ، بل أزمة يجري تنظيم أستمرارها بأدوات أكثر تعقيداً من الحرب ، وأقل أستقراراً من السلام …!


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال