رياض الفرطوسي ||
تكمن الخطيئة الكبرى في وعينا السياسي المعاصر في توهمنا أن الطاغية “نبتة شيطانية” تخرج من شقوق الجدران، بينما الحقيقة الصارمة التي يؤكدها فلاسفة الاجتماع، من ابن خلدون وصولاً إلى إتيان دي لا بويسي، هي أن السلطة السياسية ليست سوى “النسخة المنقحة” من السلطة الاجتماعية. نحن لا نواجه لصوصاً سطوا على مقدراتنا في غفلة من الزمن، بل نواجه مرآة تعكس عيوبنا البنيوية؛ فالشعب الذي يمنح صوته للفاسد أو يصمت عن المحتال، لا يسقط ضحية لعملية خداع، بل يوقع عقد “شراكة جرمية” كاملة الأركان.
إن ما نحتاجه اليوم ليس منصات لمحاكمة اللصوص فقط ، بل “محاكمات فكرية” للبيئة التي استنبتت هؤلاء. لقد أدرك عباقرة الرواية في أمريكا اللاتينية، مثل ماركيز وماريو فارغاس يوسا ، أن الديكتاتورية ليست مؤسسة عسكرية أو حزباً شمولياً، بل هي “نمط تفكير” متجذر في الوجدان الشعبي. في رواية “حفلة التيس” للروائي البيروفي ماريو فارغاس يوسا ، لم يكن يوسا يشرح جثة الطاغية، بل كان يفكك عقلية المجتمع الذي صنع من القاتل إلهاً. ومن هنا، يبرز السؤال الوجودي: لماذا نغسل “عارنا” المزعوم بدم النساء، بينما نمارس “الاستمناء الذهني” والقبول المهين أمام نهب سيادتنا وكرامتنا وثروات أطفالنا؟
إن انفصام الشخصية الجمعي الذي نعيشه يجعلنا ننتفض غضباً من قصيدة أو لوحة فنية أو مقال بدعوى “خدش الحياء”، في حين تظل حياؤنا باردة وجامدة أمام مدن تسقط في يد الغزاة وأموال تُبذر في جيوب السماسرة واللصوص . هذا التناقض يثبت أننا استبدلنا الشرف الحقيقي (الذي هو الحرية والعدالة) بـ “فلكلور قبلي” ضيق، يحمي العقال ولا يحمي الوطن.
المثقف هنا يقف أمام مرآة خذلانه؛ فبين “مهرج ثوري” يداهن الجماهير طمعاً في التصفيق، و”نخبوي متعالٍ” يكتفي بالرثاء في المقاهي، ضاعت بوصلة التنوير. إن الشعوب التي لا تمتلك الجرأة على نقد أساطيرها وتراثها المعطل، تظل “قطيعاً” ينتظر الجزار وهو يلهو في ساحة المسلخ. فالسلطة لا تسقط بالسواطير ما دامت العقلية التي أنتجتها قائمة، وما لم تفتح النوافذ لتجديد الهواء ، سنظل نلعن رائحة العفن بينما أيدينا هي التي تغلق الأبواب.
