علي عنبر السعدي ||
قل من يؤيدك – أقول لك من أنت
في سياقات التاريخ ،تظهر الشعوب التي تعرضت لظروف قاسية ،الكثير من الحالات ،التي تحاول الاستفادة من الهزيمة ، بالتعاون مع المنتصر وتصويره انه محقّ ،وانه الأقوى والأكثر قدرة وحضارة وقوّة ، وبالتالي فالتعاون معه هو الموقف الأكثر حكمة ووطنية كذلك .
هذا كان موقف واحد من أكبر قادة فرنسا “المارشال بيتان” ومعه أعداد كبيرة من مختلف شرائح الشعب الفرنسي ، الذين رأوا ضرورة التعاون مع ألمانيا المتفوقة بدل التصدي لها .
الألمان بدورهم وبواسطة الدعاية الاعلامية التي قادها “غوبلز” استطاعت فعلاً التأثير بهؤلاء واقناعهم بصواب مايفعلون ، كذلك لعب المال الدور الآخر ،فأغدقه النازيون على من تعامل معهم ووفروا لهم ظروفاً معيشية مرفهة ، لكنهم رغم كل مافعلوه وقدموه ، لم يستطيعوا اكتساب بعض فناني ومبدعي فرنسا الكبار .
في فيتنام ،كان أكثر من نصف الفيتناميين يقفون الى جانب الاحتلال الأمريكي لبلدهم ،ويصورون انهم بذلك سيكونون متقدمين لأنهم يتعاملون مع بلد قوي وغني وحضاري ، وكان الكثير منهم يقاتل بالسلاح أو الكلام ،دفاعاً عن الأمريكي ، رغم انه مسؤول عن قتل مئات الالاف من ابناء وطنهم .
كوبا كذلك وجدت من يتعامل مع الغزو – رأياً واندفاعاً وثقافة – باعتبارها الدولة الأعظم والأكثر تحضّراً .
في لبنان ،وجد الكثير من “المثقفين والاعلاميين ” ضرورة التعامل مع اسرائيل باعتبار تطورها الثقافي والحضاري والعسكري كذلك ، لذا انحازوا اليها – سرّا أو علنا – وكل ذلك تم باسم الدفاع عن السلام والتعاون بين الشعوب .
في الضفة الغربية وغزة ،أقتنع فلسطينيون بضرورة التعامل مع اسرائيل وللأسباب ذاتها ، وهؤلاء شنوا كذلك حملة اعلامية ضد فصائل المقاومة وسياساتها التي وصفوها بأقبح الأوصاف ، ليبرروا لأنفسهم ما يقومون به .
في كل تلك التجارب ،انتصر من ادرك “حيلة “المحتل في تطبيع عقول البلاد الواقعة تحت الاحتلال ، خاصة في المجالات “الباردة” التي يتسلل منها بدهاء ،أي مجالات الثقافة والاعلام وتشكيل المثال “الناجح” والفن المتقن والمتطور .
هزم “فرنسيو” النازية وحوكم بيتان كخائن ، وهزم المتعاونون مع امريكا في فيتنام ،وهام كثيرون منهم في البحار بحثا عمن يأويهم .
أما الكوبيون المتجمعون في خليج الخنازير تحت القيادة الأمريكية ،فقد كانت مصائرهم مجهولة .
كذلك تاه المتعاونون مع اسرائيل واغلقت أمامهم الأبواب ، رغم ان اتساع خطاب التطبيع ليشمل بلداناً أخرى كثيرة .
هناك دائما تبرير لكل عمل مهما يكن شكله ونوعه وتأثيره ، لكن للزمن أحكامه والشعوب مفاجأتها ، التي قد تجعل من التبريرات ذاتها ،موضع ادانة يدفع أثمانها أولئك المراهنون .
ذلك ما حدث في تظاهرات تشرين ، وماسبقها ورافقها من حملة اعلامية وسياسية مكثفة ،جمعت اطرافاً كثيرة لم يكن بينها من أراد الخير للعراق ، فمن اسماء متهمة بالفساد كأيهم السامرائي ، الى ايدي كوهين ، ومجموعات كبيرة من الممولين والمدعومين بالمال السعودي / الاماراتي / الأمريكي / البريطاني ، ومعظمهم يقيم خارج العراق ، الى مدوني الداخل وضيوف الفضائيات التي اشتهرت بتزييفها وتحريضها ، فجعلت مجموعات من الشباب الذين لم يصلوا سن الرشد ،بمثابة كتل من القدسية .
