جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف المتواضع تخشاه أمريكا والوضيع يخشى أمريكا.. بوصلة المواقف..!

المتواضع تخشاه أمريكا والوضيع يخشى أمريكا.. بوصلة المواقف..!

حجم الخط

 


جليل هاشم البكاء || 


ليست القوة دائمًا فيما يُرى من عتادٍ وعدد، ولا الهيبة فيما يُصطنع من ألقابٍ ومظاهر، بل كثيرًا ما تنبع من شيءٍ أكثر خفاءً وأشد أثرًا: من تواضعٍ صادق يحرّر صاحبه من الخوف، أو من وضَعَةٍ مهينة تُكبّله بسلاسل القلق على الكرسي والمنصب.

المتواضع، حين يتقدّم، لا يفعل ذلك ليُرى، بل لأنه يؤمن بما يحمل. لا ينشغل بتضخيم ذاته، بل بتكبير قضيته. هذا النوع من القادة لا يمكن شراؤه بسهولة، ولا يُرهب بالتهديد، لأنه ببساطة لا يرى نفسه محور العالم.

من هنا يبدأ القلق لدى القوى الكبرى، وعلى رأسها أمريكا؛ فهي تدرك أن من لا يخشى فقدان موقعه، ولا يساوم على مبدأه، يصعب احتواؤه أو إخضاعه. التواضع هنا ليس ضعفًا، بل تحرر من نقاط الابتزاز.

في التجربة الإيرانية، يظهر نموذج لقيادات تُقدّم نفسها بصورة أقل بهرجة، وأكثر التصاقًا بخطاب تعبوي قائم على الصبر والتحمل ومواجهة الضغوط.

سواء اتفقنا أو اختلفنا مع سياساتهم، فإن خطابهم الداخلي والخارجي يحرص على إظهار قدر من الزهد السياسي، وربط القرار بمفاهيم أوسع من المصلحة الفردية.

هذا النمط، في نظر خصومهم، يُشكّل تحديًا لأنه لا يستند فقط إلى موازين القوة التقليدية، بل إلى منظومة فكرية تعزز الصمود.

في المقابل، يقف نموذج آخر لحكامٍ أرهقتهم المظاهر، وأثقلتهم حسابات البقاء في السلطة. هؤلاء، وإن امتلكوا ثروات هائلة وتحالفات واسعة، إلا أنهم يعيشون في ظل خوفٍ دائم: خوف من شعوبهم، من خصومهم، من تغيّر المواقف الدولية، بل وحتى من أقرب حلفائهم.

يتجلى هذا الخوف في قرارات مترددة، وفي ارتهانٍ سياسي واضح، وفي سعي دائم لكسب رضا القوى الكبرى، وعلى رأسها أمريكا، بأي ثمن.

في بعض دول الخليج والعراق، يمكن ملاحظة هذا التناقض بوضوح. حيث تتحول الدولة أحيانًا إلى مشروع إدارة مصالح ضيقة، تُقدّم فيه التنازلات مقابل ضمانات أمنية أو سياسية.

يُصبح المنصب هدفًا بحد ذاته، لا وسيلة لخدمة الناس، وتُقاس القرارات بمدى حفاظها على الكرسي، لا بمدى عدالتها أو جدواها. في هذه الحالة، لا تعود العلاقة مع القوى الكبرى علاقة ندية، بل علاقة خوفٍ وتبعية.

الوضيع، في هذا السياق، ليس وصفًا شخصيًا بقدر ما هو توصيف لحالة سياسية: حالة من فقدان الاستقلال الداخلي، والارتهان للخارج، والابتعاد عن نبض الناس. هذا النموذج يخشى أمريكا لأنه يرى فيها الضامن الوحيد لاستمراره، بينما تخشاه أمريكا حين تواجه نموذجًا آخر لا يربط مصيره برضاها.

الفرق بين النموذجين لا يُقاس بالشعارات، بل بالنتائج. المتواضع يراكم قوة صامتة، قوامها الثقة الداخلية والاستعداد للتضحية، بينما يراكم الآخر هشاشة مغطاة بالبريق. الأول قد يتعرض لضغوط وعقوبات، لكنه يحافظ على قراره، والثاني قد ينعم بدعمٍ مؤقت، لكنه يفقد تدريجيًا قدرته على الفعل المستقل.

في النهاية، ليست المسألة صراعًا بين دول بقدر ما هي صراع بين نمطين من الحكم: نمط يرى السلطة مسؤولية، ونمط يراها غنيمة. الأول قد يُخيف، لأنه غير متوقع ولا قابل للابتزاز بسهولة، والثاني يخاف، لأنه يعلم أن بقاءه ليس بيده.

وهنا تتجلى حقيقة العنوان: المتواضع تخشاه أمريكا، لأنه لا يحتاجها ليبقى، والوضيع يخشى أمريكا، لأنه لا يستطيع البقاء بدونها.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال