رضوان حسين وعيل ||
في مدينة النبطية جنوب لبنان، تكرر المشهد الذي لم يعد غريباً على أهل الجنوب: دراجة نارية صغيرة تحاول اختراق النار والغبار للنجاة، وخلفها مسيرة لا تكل من المطاردة.
الأب قُتل أولاً، ثم الطفلة التي حاولت الهرب. مشهد واحد يكفي ليفضح طبيعة الحرب التي تخوضها “إسرائيل” في لبنان وغزة وكل ساحة تقع تحت يدها.
الاستهداف هنا لم يكن لهدف عسكري. لم تكن هناك دبابة، ولا مخزن سلاح، ولا قوة مناورة. كان هناك مدني يحاول إنقاذ ابنته، وطفلة لا تملك إلا قدميها الصغيرتين لمواجهة آلة القتل. هذا النوع من الحوادث ليس استثناءً ولا “خطأً ميدانياً”، بل هو حلقة في سلسلة متصلة من الممارسة العسكرية الصهيونية منذ النكبة.
“العقيدة العسكرية: ترويض السكان بالرعب”
منذ تأسيس الكيان، قامت العقيدة الأمنية الصهيونية على مبدأ واضح، كسر إرادة السكان المدنيين حتى يصبح البقاء مستحيلاً. القصف العشوائي، استهداف البنية التحتية، ملاحقة العائلات الفارة، كلها أدوات لتحقيق هدف واحد، دفع الناس للهجرة أو للاستسلام. ما حدث في النبطية ليس إلا تطبيقاً ميدانياً لهذا المبدأ.
الهدف ليس تحييد مقاتل، بل خلق بيئة لا يمكن العيش فيها. عندما يُقصف الحي السكني، وعندما تُضرب سيارة إسعاف، وعندما تُلاحق طفلة على دراجة، تكون الرسالة موجهة إلى المجتمع كله: إما أن ترحل، أو تبقى لتدفع ثمن البقاء بالدم.
“تفريغ الأرض من سكانها هدف استراتيجي”
الحرب هنا لا تُدار فقط على خطوط التماس. هي حرب على الحياة اليومية نفسها. تدمير المدارس يعني جيلاً بلا تعليم. قصف الطرق يعني عزل القرى. استهداف سيارات المدنيين يعني أن أي حركة خارج البيت تصبح مخاطرة بالموت. النتيجة العملية هي تفريغ الجنوب من أهله، وتحويل الشريط الحدودي إلى منطقة عازلة خالية من البشر.
هذا النمط ظهر بوضوح في اجتياح 1982، وتكرر في حرب تموز 2006، ويعاد اليوم بأدوات أحدث. الفرق الوحيد أن الطائرات المسيرة منحت القدرة على المتابعة والملاحقة الفردية، فأصبح بالإمكان استهداف شخص بعينه وهو يحاول الهرب على طريق فرعي.
الهدف السياسي خلف المشهد الميداني
ما يجري ليس مجرد رد فعل عسكري على صواريخ أو عمليات. الهدف السياسي هو إعادة تشكيل الواقع على الأرض قبل أي تفاوض أو تسوية. عندما تصبح الحياة في النبطية وبنت جبيل وعيتا الشعب مستحيلة، يصبح الضغط على المقاومة وعلى الدولة اللبنانية مضاعفاً. المجتمع المدني يتحول إلى ورقة ضغط، والألم الجماعي يصبح وسيلة لفرض شروط.
لهذا لا يمكن فصل المشهد في النبطية عن المشهد في غزة، وعن سياسة هدم البيوت في الضفة، وعن سياسة الحصار الطويلة. كلها أدوات لنفس الغاية: إخضاع الأرض والناس معاً.
لماذا يهم التوثيق؟
لأن الرواية الرسمية الإسرائيلية تختصر كل شيء بعبارة “استهداف بنى تحتية عسكرية”. لكن على الأرض، من يدفع الثمن هم أطفال ونساء وعائلات لا علاقة لهم بقرار الحرب. توثيق حادثة النبطية يعيد الإنسان إلى مركز الصورة، ويكشف أن الهدف الحقي تجاوز المقاتل ليصل إلى المجتمع بأكمله.
التوثيق لا يوقف القصف، لكنه يكسر محاولة تطبيع المشهد. عندما تتحول ملاحقة طفلة إلى خبر عابر، تكون الحرب قد ربحت نصف المعركة في الوعي.
الخلاصة
النبطية ليست استثناء. هي نموذج مصغر لما تفعله العقيدة العسكرية الصهيونية حيثما وجدت قدرة على ذلك. الهدف لم يعد عسكرياً محضاً، بل أصبح وجودياً. حرب ضد الإنسان قبل السلاح، ضد البيت قبل المخزن، ضد الطفولة قبل المقاومة.
ومادام المدني هو الهدف، فستبقى كل دراجة نارية تحاول الهرب شاهداً على حقيقة هذه الحرب، وشهادة على أن ما يجري ليس دفاعاً عن النفس، بل مشروع تهجير مستمر بأدوات القرن الواحد والعشرين.
