جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف الحج.. بين زيارة الحسين (ع) ويوم عرفات..!

الحج.. بين زيارة الحسين (ع) ويوم عرفات..!

حجم الخط

 


الشيخ اكرم كامل الخفاجي ||


الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .

سيدي يا أبا عبد الله الحسين : إذا جاز التغّزل بكَ فإني أقول : احببتكَ بكل احاسيسي لأن الإحساس لغة الروح ، واحببتكَ بعنفوان الصمت لأن الصمت لغة العقول ، واحببتكَ بكمٍ هائلٍ من الهمسات لان الهمس لغة القلوب ، واحببتكَ بكل شروق الإبتسامات لأن الابتسامة لغة الشفاه .. وجرت دموعي سعيداً بكَ لأني أصبحتُ مؤمناً ، لقول الرسول الأعظم (ص) : إن لولدي الحسين حرارة في قلب كل مؤمن لا تبرد أبداً .

وفي حديث يوم عرفات من الحج يأتي الحديث المروي عن المعصوم (ع) : إن الله ينظر الى زوار الحسين (ع) قبل أن ينظر الى الحجيج يوم عرفات .

سيدي ومولاي : إنني مريض وأصبحت طريح الفراش ، فلم أستطع زيارتك .. فاستعجلت كتابة هذا الموضوع الذي أدعو من الله الواحد القهار بجاهكَ عنده أن يشملني دعاء وأجر زوارك .

هناك كلمة مشهورة تُنسب لأحد الساسة الأجانب تكشف عن أهمية الجانب السياسي للحج في تقييم الساسة غير المسلمين ، حيث يقول : “ويل للمسلمين إذا لم يعرفوا معنى الحج ، وويلٌ لأعداءِ الإسلام إذا أدرك المسلمون معنى الحج !” .

ورد في كامل الزيارات ص 170 ، حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْكَانَ قَالَ ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع)‏ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَتَجَلَّى لِزُوَّارِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (ع) قَبْلَ أَهْلِ عَرَفَاتٍ وَيَقْضِي حَوَائِجَهُمْ وَيَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ وَيُشَفِّعُهُمْ فِي مَسَائِلِهِمْ ثُمَّ يَأْتِي أَهْلَ عَرَفَات فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ .

هنا يرد سؤال وهو كيف يمكن قبول تقدم أمراً مستحباً (الزيارة) ، على أمر واجب (الحج) ؟

والجواب على هذا السؤال يتضح من خلال بيان أمرين :

الامر الاول : إن هذه المقارنة بين أمر واجب وأمر مستحب في غير محلها ، لأن المقارنة تكون بين امرين مشتركين تحت عنوان واحد ، فحقيقة الواجب تختلف عن حقيقة المستحب ، إذ أن الواجب فيه أمر بالفعل ونهي شرعي عن الترك ، بينما حقيقة المستحب انه أمر بالفعل مع جواز الترك ، وبالتالي فالمقارنة بين الامرين في غير محلها ، ولكي تصح المقارنة فلابد وان تكون بين أمرين مشتركين كأن تكون بين واجبين او مستحبين مثلاً ، ولا تصح بين واجب ومستحب .

الامر الثاني : إن ما يدل على ما ذكرناه من أن الحديث التي مر ذكره لا تلحظ المقارنة بين الحج الواجب والزيارة ، بل تلحظ إرشاد من تعذر عليه الحج لسبب من الاسباب ، فإن الروايات تحثه على  زيارة الحسين (ع) .

إذن ما تأويل الحديث أو ما هو مدلوله ؟

والجواب : مما لا شك فيه أن وراء كل تشريع إلهي ، أو تكليف شرعي بأي من الاحكام التكليفية الخمسة من وجوب وحرمة واستحباب وكراهة واباحة حِكمة ما ، فتارة تكون الحِكمة ظاهرة وتارة تكون خفية ، وتارة نستطيع ان نتعرّف او ندرك بعض جوانبها من خلال بعض الأدلة والقرائن ، وتارة تبقى خصائصها خفية علينا بالمطلق .

فالبحث هنا يتعلق بالمقارنة حول ما يرتبط بتشريعين مستحبين ورد الحث عليهما :

احدهما : الحث على الحج المستحب ولمن سقط عنه التكليف الشرعي الواجب مرة في العمر .

ثانيهما : الحث على زيارة الامام الحسين (ع) بشكل عام ، وخصوص زيارته يوم عرفات والتي تترافق زماناً مع أداء الحجاج لنسك الوقوف في جبل عرفات ، وهذا الحث على الزيارة في هذا التوقيت يشمل صنفين من الناس .

الصنف الأول : من كانت لديه رغبة بأداء الحج الواجب ولم يتمكن لسبب ما فكان الحث له بأن يستعيض عن ذلك بزيارة الحسين (ع) فيكسب ثوابا أعظم من الثواب الذي يحصل عليه فيما لو تمكن من أداء الحج .

الصنف الثاني : من سقط عنه الحج الواجب ، ولكنه يرغب بتحصيل الثواب من خلال تكرار الحج المستحب .

فهنا نجد أن الحث قد جاء لكلا الصنفين بالتوجه لزيارة الحسين (ع) في هذا التوقيت مع وعد إلهي بالحصول على ثواب اعظم من الثواب الذي يحصل عليه في حال اداءه الحج المستحب .

وهنا صار بإمكاننا ان نعرف او ندرك شيئا من الحِكمة في هذين التشريعين (الحج المستحب ، وزيارة الحسين) بحيث أن التكريم الإلهي منح الثواب الأعظم لزوار الحسين (ع) يوم عرفة قبل حجاج بيته الحرام .. فيتضح أن من يؤدي الحج الواجب هو خارج دائرة المقارنة .

علينا الآن ان نقارن بين ما يرتبط بالتشريعين لنصل الى النتيجة من خلال ما يلي :

أولاً : لو نظرنا الى فريضة الحج وفلسفة تشريعها لوجدنا أن الحج هو أمر عبادي ، أوجبه الله تعالى على الانسان مرة في العمر مقروناً بتوفر شرط الاستطاعة ، وذلك إن تشريع الحج فيه محاكاة لأبينا إبراهيم (ع) فيما حصل معه ويجسّد استجابة لدعوته بتحويل تلك المنطقة المقفرة الى مقصد الناس ومهوى للأفئدة .. فهو امرٌ عباديٌ .

ثانياً : لو نظرنا الى زيارة الامام الحسين (ع) لوجدنا انها وإن كانت لها جنبة عبادية إلا أنها ترتبط بعنوان له بعده العقائدي الذي يرتبط بالموقع الإلهي للإمام الحسين (ع) .

ففي الاحاديث الواردة بخصوص زيارة الحسين (ع) نجد عشرات النصوص والتي ورد فيها مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ (ع) عَارِفاً بِحَقِّهِ ‏.. للتدليل على البعد العقائدي لهذه الزيارة .

اذن فالبعد العقائدي واضح في الحث على زيارة الحسين ، خاصة اذا قارناه بكلام النبي (ص) بحق الحسين والدال على موقعيته : حسين مني وانا من حسين .

النتيجة التي يمكن ان نصل اليها من خلال هذه المقارنة هي :

أولاً : عندما يمتثل المكلف امراً واجباً فهو قد إمتثل امر الله تعالى له ، وله ثواب امتثال الامر الواجب الذي يمنحه الله تعالى إياه ، سواء كان الدافع الرغبة في الثواب ، او الخوف من العقاب ، ولذا يحصل التفاوت في الدرجات .

أما عندما يبادر المكلف الى امتثال امر مستحب لا بدافع الخوف من العقاب بل بدافع الرغبة المطلقة بطاعة الله وتحقيق رضاه ، فإنه حينئذ يستحق التكريم من اكرم الاكرمين ، ومهما عظم هذا التكريم فهو يدل على كرم العظيم . فهو أعظم مما يمنحه الله تعالى للمطيع عن خوف العقاب .

ثانياً : عندما تكون المقارنة بين امر عبادي وبين أمر عقائدي ، فلاشك أن أهمية الامر العقائدي أعظم بكثير من الامر العبادي ، اذ لا قيمة للأمور العبادية في حال وجود خلل في البنية العقائدية ، وهو ما يفهم من كثير من النصوص ومنها تفضيل العالم على العابد .

ثالثاً : ان زيارة الحسين (ع) هي ذات بعد عقائدي كما اتضح معنا ، وأما الحج المستحب فهو امر عبادي ، وشتان بين أمر يتعلق بترسيخ الأسس العقائدية وتمتينها وتقويتها واظهارها وبقائها بما يؤدي الى استقامة المجتمع ، وبين امر عبادي يحصل المكلف على ثواب شخصي على امتثاله ..  وبالتالي فإن ما يقوّي البناء العقائدي أعظم بكثير من الامر العبادي لان الأساس العقائدي السليم هو المرتكز لقبول الاعمال العبادية .

وهكذا تكون زيارة الحسين أكثر أهمية واعظم أثراً وأكثر ثواباً من الحج المستحب ، لذا فالله ينظر الى زوار قبر الحسين (ع) يوم عرفات قبل ان ينظر الى حجاج بيته الحرام في عرفات .

واتّصافُ بعض الأمكنة بكونه بيتاً لله ، إنّما هو لشرافة خاصّة له من حيث جعله محلّ عبادة الله ، أو الأمر بالتّوجّه إليه حين العبادة . وأمّا بيت الله الحقيقي فهو ما في الحديث القدسي : «لا تسعُني أرضي ولا سمائي ، ولكن يسعُني قلب عبدي المؤمن» . فكلّ قلب لم تكن فيه سوى محبّة الله فهو بيت الله حقّاً ، لأنّه خالٍ عن التعلُّق بغيره ، فليس فيه فكر ولا ذكر ولا همّ إلّا الله تعالى .

وإذا تحقّق ذلك وتأمّلت حقّ التّأمّل ، ظهر لك أنّ بيت الله الحقيقي الأكبر هو قلب الحسين (ع) (قلبٌ قلبِ رسول الله (ص)) ، فلمّا بذل فيه قلبَه الظّاهري ومهجتَه ، تمحّض القلبُ المعنوي لله ، وصار بيت الله الحقيقي ، ومن ذلك يظهر قوله (ص) : «مَن زار الحسين عليه السلام كَمن زار الله في عرشه» .

فالشيعي الذي لا يمكنه حظه من زيارة قبر الحسين (ع) عليه أن يحج إحدى وعشرين حجة لكي ينال هذه الدرجة فعن حذيفة بن منصور قال : قال أبو عبد الله (ع) :

(كم حججت ؟ قلت : تسع عشرة . فقال : أما إنك لو أتممت إحدى وعشرين حجة لكتب لك كمن زار قبر الحسين بن علي عليهما السلام) وسائل الشيعة 10/350 .

وإذا قيل لك ان الصلاة الواحدة في الحرم المكي او الحرم المدني تعادل آلاف الركعات .. فهل يعني اني لو صليت في الحرم المكي صلاة مرة تجزي عن صلاة العمر كله ؟

بالطبع ستقول لا ؟

لان القصد الاجر والثواب ولن يغني عن الفرض .. فاقول اذن نحن متفقون ابتداءً على ما تحمل الرواية من مغزى .

ان افضلية الزيارة على الحج الواردة في الروايات لا تعني ان أي احد يحق له ترك الحج الواجب والذهاب الى الزيارة المستحبة وذلك لان الافعال الواجبة يكون الملاك فيها والمصلحة اهم من الملاك في الافعال المستحبة ولذلك اعتبره الشارع واجباً ولا يجوز تركه .. في حين ان الافعال المستحبة يجوز تركها لأن ملاكها والمصلحة فيها اقل اهمية .. فالوجوب والاستحباب في الافعال تابع للملاك ، ولا علاقه لكثرة الثواب المترتب على الفعل بالملاك فقد يكون فعل مستحب ازيد ثواباً من ثواب الواجب كما في ثواب ابتداء السلام بالنسبة الى ثواب الجواب .. فان الاول (السلام) مستحبٌ اكثر ، مع ان الثاني (رد السلام) واجب .. وكذلك الحال بزيارة الحسين (ع) اذا كان ثوابها اكثر من ثواب الحج الواجب ولكن يبقى الحج واجباً ولا يجوز تركه لان ملاكه اهم .

ثم انه يظهر من بعض الروايات ان المراد بالحجة والعمرة المستحبة منها وبذلك لا يبقى مجال للألتباس الذي ذكرته فلا مانع ان يكون ثواب زيارة الحسين (ع) المستحبة افضل من زيارة الحج المستحب والعمرة المستحبة فقد تكون لزيارة الحسين (ع) خصوصيات لا توجد في الحج والعمرة جعل الثواب عليها فان في زيارة الحسين (ع) تعظيماً لشعائر الله وان الثواب المذكور يعطى للعارف بحق الامام وان الزائر للحسين (ع) يتعرض للظلم والاضطهاد ما لا يتعرض اليه الحاج والمعتمر وغير ذلك من الخصوصيات التي تجعل ثواب زيارة الحسين (ع) المستحبة افضل من الحج المستحب .

ويبرز السؤال الأهم : أيهما أفضل الوقوف في عرفات لأداء مناسك الحج ؟ أم زيارة قبر الإمام الحسين (ع) ؟

إن هذا السؤال يستدعي الإجابة عن السؤال التالي : أيهما أفضل ذات جبل عرفات ؟ أم ذات الإمام الحسين (ع) ؟

ومع استحضار قول النبي (ص) ، المروي بطرق “سُنية” تظهر الإجابة واضحة في إشاراته .

تقول الرواية المنقولة عن (صحيح البخاري) : عن عبد الله بن عمر قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول : ما أطيبك وأطيب ريحك ! ما أعظمك وأعظم حرمتك ! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ، ماله ودمه وإن نظن به إلا خيراً . [رواه ابن ماجة] .

ولهذا يعتقد الشيعة أن زيارة الإمام الحسين (ع) ، من أفضل الأعمال المستحبة التي يمكن أن يأتي بها الإنسان بعد أدائه الفرائض الواجبة .

وهناك تساؤل يقول : ان الله تعالى ينظر الى زوار الحسين (ع) قبل نظره الى الحجاج في يوم عرفات ، فما معنى ذلك إذا كان الامام الحجة بن الحسن (عج) حاضراً في عرفات ؟

وأُجيب من قِبل العلماء بالنحو التالي :

لا تنافي بين نظر المولى التشريفي والرحيم إلى زوار الحسين (ع) في يوم عرفات قبل نظره إلى الحجاج في أرض عرفات ، مع التسليم بوجود الإمام المهدي (عج) في ساعة الرحمة تلك في عرصة عرفات ، فالإمام (عج) له فيض خاص من الرحمة اختصه الله به ، بل هو علّة فيض الرحمة على العباد من المولى سبحانه ، كما ورد عن الإمام الباقر (ع) : (لو أنَّ الإمام رُفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها ، كما يموج البحر بأهله) ( الكافي 10/176) .

فلا تنافي إذن أن يكون للإمام (ع) فيض خاص به يلازمه أينما حل في البلاد ، وتكون تلك النظرة التشريفية الرحيمة التي اختص بها زوار الحسين (ع) على الواقفين في عرفات دون الإمام المهدي (عج) .

عِلماً أنّ الباري تعالى حِين ينظرُ فهو ينظرُ بِعينهِ الناظرة ، وعَينُ الله الناظرة هي الإمامُ المعصوم (ع) .. كما نُخاطب سيّد الأوصياء في زيارتهِ الشريفة : (السلامُ عليكَ يا عين الله الناظرة ويَدَهُ الباسطة ، وأُذنهُ الواعية ..) .

فالإمامُ المعصوم هو العَين الناظرة لزوّار الحُسين يَوم عرفات قبل نَظَرهِ إلى أهل الموقف .

فإنْ لم تفوزوا يا حُجّاج البيت الحرام بنظرة مِن إمام زمانكم يوم الموقف .. فَاعْلموا أنّ الفَوز الحَقيقي هُناك عند الحسين في كربلاء .. ولِذا فعَليكم في يوم عَرَفات أن تكون قُلوبكم عند الحُسين ومَع الحسين .. وما دُعاء الحسين في عَرفات ( دعاء عرفات) إلّا علامة وإشارة .

فهذا الدُعاء وإنْ كان مِن أهمّ طُقوسُ يوم عَرَفات العباديّة .. ولكنّه يُعَدُّ إشارةً وعلامة .

فالقضيّة في يوم عرفات ليستْ في هذا الطقس الدُعائي العِبادي – معَ عظمتهِ البالغة – القضيّة تُريدُ أن تُشير إلى أنّ يوم عرفات هو يوم الحُسين فلابُدّ أن تكون القلوب عند الحُسين سَواء كُنّا في مكّة أو في أيّ بقعة مِن بقاع الأرض .

وهذا أقلّ ما يستحقّه الحسين (ع) ، فلولا نهضته المقدسة لم يكن لعرفات ومناسك الحجّ معنىً يُذكر ، فربُّ البيت تبارك وتعالى تكفّل بإعلاء شأن سيّد الشهداء (ع) حين حفظ شأن البيت بعد أن عزم الطلقاء من آل أمية على هتك حرمة الدم الحرام في البيت الحرام في الشهر الحرام ، لذا فاليوم التاسع من شهر ذي الحجة وهو عيدٌ من الأعياد العظيمة وإن لم يُسمَّ عيداً ، فهو يومٌ دعا الله عباده فيه إلى طاعته وعبادته وبسط لهم موائد إحسانه وجوده والشيطان فيه ذليلٌ حقيرٌ طريدٌ غضبان أكثر من أيّ وقتٍ سواه .

ولهذا فإن زيارة الإمام الحسين (ع) في يوم عرفات لا تعني مواجهة الحج ، وليست موازيةً للحج ، بل امتداد للحج ، وإذا عرفنا معنى الحج وما يعنيه للحُجّاج ، وما الذي قام به الإمام الحسين (ع) ، نعرف معنى هذه الكلمات .

فالحج هو انعكاس لاعمال عائلة ابراهيم (ع) ، فأعمال ابراهيم وعائلته كانت أعمالاً حقيقية ، واداء الناس لمناسك الحج انما تقليد لأعمال تلك العائلة ، ولكن الامام الحسين (ع) جسّد تلك الحقيقة مرة ثانية ، فروح الحج ما قام به الإمام الحسين (ع) ، وإلا فالحكام الظلمة يذهبون الى الحج ، لكن ليس ذلك الحج الذي يريده الله .

الإمام الحسين ، في يوم التروية أحلَّ إحرامه ، والناس كانوا يذهبون الى الحج ، وهو بمثابة هجرة خارجية ، لكن الامام الحسين (ع) حينما حلَّ إحرامه ، فهو هاجر هجرةً داخلية ، والمطلوب منا هو كذلك ، أن نزكي انفسنا ، ونطهرها ، فتتعلق ارواحنا بالله ، وتكون اعمالنا لله وحده ، وهذا هو التوحيد .

الله سبحانه قدّر موقف هاجر وهي تسعى للبحث عن الماء لرضيعها ، فجعل السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج ، وجعل الله حِجر اسماعيل جزاءً من المطاف ، فحين يطوف الحاج حول الكعبة ، لابد للحاج أن يطوف بحجر اسماعيل ، وهو المكان الذي كانت فيه هاجر وابنها اسماعيل .

فقضية الإمام الحسين (ع) هي روح الحج ، وحين يذهب الزائر الى كربلاء ، إنما هو للحصول على تلك الروح .

وهناك شبهة تناقلها القوم تقول : إن الشيعة يريدون نقل الحج لكربلاء عوضاً عن مكة !

فنقول : لو كان هذا الكلام صحيحاً ما وجدت شيعياً واحداً على أرض مكة أيام الحج .. ولكن إذا حججت فسترى الشيعة هناك بعشرات الآلاف .

وهل العقل والمنطق يعارضان بالضرورة كون أجر زيارة قبر الحسين (ع) أكثر من أجر الحج ؟

فنسأل : أيهما اكثر أجراً ، الزكاة ام الصدقة ؟

لا تعرف ! فمثل هذه الامور هي تعبدية ولا مجال للعقل فيها ، لأن مقادير الأجر بيد الله وهو يجزي كيف يشاء .

ثم أن كربلاء المقدسة أفضل عقيدياً من مكة المكرمة .

قال علي بن الحسن (ع) : “اتّخذ الله أرض كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتّخذها حرماً بأربعة وعشرين ألف عام ، وقدّسها وبارك عليها ، فمازالت قبل خلق الله الخلق مقدّسة مباركة ولاتزال كذلك حتى يجعلها الله أفضل أرض في الجنّة ، وأفضل منزل ومسكن يسكن فيه أولياءه في الجنّة” [بحار الأنوار : 101/107] .

وقيل إن الكعبة عندما أنشأت ماست وافتخرت بفضلها على سائر الأرض .

فأوحى الله إليها أن كفي وقرّي ما فضل ما فضّلت به فيما أعطيت أرض كربلاء إلا بمنزلة الإبرة غرست في البحر فحملت من ماء البحر ، ولولا تربة كربلاء ما فضلتك ، ولولا من تضمنه أرض كربلاء ما خلقتك ولا خلقت البيت الذي به افتخرت ، فقرِّي واستقري وكوني ذنباً متواضعاً ذليلاً مهيناً غير مستنكف ولا مستكبر لأرض كربلاء وإلا سخت بك وهويت بك في نار جهنم” [كامل الزيارات : ص270 ، بحار الأنوار : 101/109] .

يقول تعالى : (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ) ..

لا أدري أيهما أكثر طمأنينة لفظ “الرّحمة” ، أم “ربكم” الذي نُسبنا إليه رغم معاصينا ؟؟

يَا رَبِّ يَا رَبِّ ، يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ ، وَاسْتَجِبْ لِي جَمِيعَ مَا سَأَلْتُكَ وَطَلَبْتُ إِلَيْكَ وَرَغِبْتُ فِيهِ إِلَيْكَ ، وَأَرِدْهُ وَقَدِّرْهُ وَاقْضِهِ وَأَمْضِهِ ، وَخِرْ لِي فِيمَا تَقْضِي مِنْهُ ، وَبَارِكْ لِي فِي ذَلِكَ ، وَتَفَضَّلْ عَلَيَّ بِهِ ، وَأَسْعِدْنِي بِمَا تُعْطِينِي مِنْهُ ، وَزِدْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَسَعَةِ مَا عِنْدَكَ ، فَإِنَّكَ وَاسِعٌ كَرِيمٌ ، وَصِلْ ذَلِكَ‏ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ وَنَعِيمِهَا ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ .

اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال