المهندس يونس الكعبي ||
1- الفجوة بين التشريعات المحلية والمعايير العالمية
المشاريع الأستراتيجية المليارية مثل طريق التنمية لا تدار بقوانين الأستثمار التقليدية ؛ بل تتطلب منظومة تشريعية مرنة وسريعة قادرة على التناغم مع قانون التجارة الدولي ومفاهيم الحوكمة العابرة للحدود.
تتميز البيئة العالمية الحالية في أدارة ممرات التجارة بالخصائص التالية:
* السرعة والرقمنة: العقود الذكية ، وتأشيرات الدخول الفورية للخبراء ، وتصفير المعاملات الورقية.
* التحكيم الدولي: أشتراط وجود بنود تحكيمية واضحة في مراكز دولية (مثل غرفة التجارة الدولية بباريس ICC) لضمان حماية رؤوس الأموال من القضاء المحلي.
2- الحالة العراقية أنموذجاََ : التحديات البنيوية والتنظيمية
عند أسقاط هذه المعايير على البيئة التشريعية والأدارية في العراق ، نجد عدة تحديات جوهرية تحتاج إلى معالجة جذرية وكما يلي:
* أشكالية تعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات: يعاني النظام الأداري العراقي من تداخل كبير بين القوانين الأتحادية والصلاحيات الممنوحة للمحافظات (خاصة غير المنتظمة في أقليم) بموجب القانون رقم 21 لسنة 2008 المعدل. مشروع عملاق مثل طريق التنمية يمر عبر بضع محافظات (من البصرة إلى دهوك ) قد يصطدم بتفسيرات قانونية متباينة ، أو عقبات تتعلق بملكيات الأراضي والتعويضات ، مما يتطلب تشريعاََ أتحادياََ خاصاََ وسيادياََ وفوق المحلي يدير هذا الممر حصرياََ.
* قصور تشريعات المناطق الأقتصادية الخاصة (SEZs):
رغم أمتلاك العراق لقانون الأستثمار رقم 13 لسنة 2006 ، إلا أنه لا يزال يفتقر إلى تشريعات متطورة وخاصة بأدارة المناطق الحرة الذكية على طول مسار الطريق وميناء الفاو. المستثمر العالمي يحتاج إلى جزر قانونية معزولة عن الروتين الحكومي ، تتمتع بالأعفاءات الضريبية الطويلة وحرية تحويل الأموال بالعملة الأجنبية دون قيود البنك المركزي التقليدية
* غياب الحماية القانونية ضد المخاطر السياسية والسيادية:
تخوف الشركات العالمية الكبرى (مثل شركات التمويل والتشغيل الأوربية أو الآسيوية) لا يقتصر على الهجمات العسكرية ، بل يمتد إلى مخاطر المصادرة غير المباشرة ، أو تغيير القوانين والرسوم الكمركية مع تغير الحكومات. البيئة التشريعية العراقية تحتاج إلى أدخال مفاهيم ثبات التشريعات (Stabilization Clauses) في عقود هذا المشروع تحديداََ لضمان عدم تغيير شروط التعاقد طوال فترة الأستثمار (التي قد تمتد ل 30 عاماََ).
* البيروقراطية الرقابية ومكافحة الفساد:
تعدد الجهات الرقابية (ديوان الرقابة المالية ، هيئة النزاهة ، اللجان البرلمانية ، مجالس المحافظات) مع غياب بيئة تشريعية تحمي الموظف متخذ القرار التنموي يخلق حالة من الخوف الأداري. هذا الخوف يترجم على شكل بطء شديد في توقيع العقود والمصادقة على المخططات ، وهي بيئة طاردة للشركات العالمية التي تحسب وقت التشغيل بالدقائق.
3- متطلبات التوافق الأقليمي : التوحيد التشريعي:
طريق التنمية ليس مشروعاََ عراقياََ داخلياََ ، بل هو حلقة في سلسلة تبدأ من الخليج وتمر بتركيا وصولاََ الى أوربا. وهذا يتطلب: صياغة أتفاقيات أطارية دولية (تصادق عليها البرلمانات وتصبح لها قوة القانون الأعلى) لتوحيد الرسوم الكمركية ، ومواصفات السكك الحديدية ، وبروتوكولات الأمن السيبراني لتبادل البيانات التجارية.
أن البيئة التشريعية الحالية في العراق والمنطقة تمتلك الرغبة في مواكبة المشاريع الكبرى ، لكنها تكبلها نصوص قديمة وآليات بيروقراطية موروثة من حقبة الأقتصاد الموجه.
أذا لم يقم المشرع العراقي بصياغة قانون خاص بطريق التنمية يتمتع بمرونة تشريعية أستثنائية تفصله عن البنية البيروقراطية التقليدية ، فأن القوانين الحالية قد تشكل عائقاََ يوازي في ثقله التوترات الأمنية ، وربما يؤدي إلى أبطاء تقدم هذا الجسر الأقتصادي الواعد.
ما هي الخطوة الأولى الأنسب للبدء بهذا الأصلاح التشريعي في العراق؟
الفكرة الأنسب هي تشريع قانون خاص بطريق التنمية وتشكيل هيئة عليا مستقلة تمنح صلاحيات أستثنائية واسعة ، هذا الطرح يمثل أعلى درجات النضج التشريعي والأداري ، وهو ذات النموذج الذي أعتمدته الدول التي حققت قفزات أقتصادية هائلة عبر التاريخ (مثل سنغافورة ، دبي ، أو حتى الصين في بدايات تأسيس مناطقها الأقتصادية الخاصة).
أن دمج الفكرتين (تشريع قانون خاص وخلق هيئة مستقلة مُمكّنة قانوناََ) هو البديل الحقيقي لأخراج مشروع طريق التنمية من مقبرة الروتين والبيروقراطية التقليدية.
فيما يلي الخارطة الهيكلية والقانونية لكيفية تطبيق هذا الحل بالشكل الذي يضمن الحصانة والسرعة:
1- قانون طريق التنمية السيادي (الغطاء التشريعي):
يجب أن يشرع مجلس النواب العراقي قانوناََ خاصاََ يحمل صفة السيادي والفوق محلي ، بحيث يحقق هذا القانون الآتية:
* علوية النص : ينص صراحة على أن أحكام هذا القانون ومستلزماته تقدم على أي قوانين محلية أو قطاعية أخرى تتعارض معه (مثل قوانين البلديات ، الآثار ، أو الملكية العامة والخاصة لغرض الأستملاك).
* تصفير البيروقراطية (النافذة الواحدة الحقيقية): نقل صلاحيات منح التراخيص ، والموافقات البيئية ، والأمنية ، والكمركية من الوزارات المختلفة إلى الهيئة الجديدة مباشرة بموجب نص القانون.
* الحصانة الأستثمارية: تضمين بنود ثبات التشريعات والتحكيم الدولي خارج الحدود ، بنص قانوني صريح لا يمكن الطعن فيه أو إلغاؤه بقرارات حكومية متغيرة.
2- هيئة طريق التنمية والمناطق الأقتصادية (الأداة التنفيذية):
تُنشأ بموجب القانون أعلاه هيئة مستقلة مالياََ وأدارياََ ، ترتبط مباشرة برئاسة الوزراء لضمان الدعم السياسي والسيادي ، وتُدار بعقلية القطاع الخاص ، لا بعقلية الوظيفة العامة ، وتتلخص بما يلي:
* الصلاحيات الأستثنائية: تمتلك الهيئة صلاحية التفاوض المباشر والتعاقد مع الشركات العالمية والكونسورتيوم (التحالفات الدولية) دون المرور بآليات العقود الحكومية التقليدية العتيقة.
* أدارة مرنة للأموال: تُمنح الهيئة الحق في تأسيس صناديق أستثمارية ، وأصدار سندات ، والتعامل بالعملات الأجنبية وفتح حسابات خارجية لتسهيل حركة التدفقات المالية للمشروع بعيداََ عن قيود المنظومة المصرفية التقليدية المعقدة.
* قوات أمنية تخصصية: يلحق بالهيئة جهاز أمني أو شرطة تخصصية (مثل شرطة الموانيء أو شرطة الكمارك العالمية) تكون مسؤولة حصرياََ عن تأمين المسار بالتعاون مع التكنولوجيا الحديثة (الأقمار الصناعية والمسيرات وكاميرات المراقبة وتطبيقات الذكاء الصناعي).
أن المزاوجة بين قانون خاص وهيئة مرنة تخلق ما يعرف قانوناََ ب”المحمية الأستثمارية الصالحة للحياة”. هذه المحمية تعزل المشروع تماماََ عن أمراض البيروقراطية المحلية ، وتمنح المستثمر الأجنبي والشركات العالمية الكبرى الثقة بأنهم يتعاملون مع كيان ديناميكي يتحدث لغتهم (لغة الوقت والمال) ، وليس مع دوائر حكومية مثقلة بالمعاملات الورقية.
هذا الحل الذي مر ذكره أعلاه ، لايحمي المشروع من الداخل فحسب ، بل يرسل رسالة واضحة للمحيط الأقليمي والدولي بأن العراق جاد في تحوله نحو “الجغرافيا الأقتصادية”.
