جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ..!

وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ..!

حجم الخط

 

 السيد بلال وهبي ـ لبنان || 


(اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا)

قال تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ﴿القصص: 5﴾.

تلك هي إرادة الله أن يتفضَّل على الذين يُستضعفون في الأرض، ويقهرون فيها، ويُذَلُّون، ويمنعون من أن يعيشوا الحياة الكريمة، وأن يتنسموا نسائم الكرامة والحرية، وأن يعلنوا عقيدتهم دون خوف، ويمارسوا شعائرهم، ويتعاملوا بقيمهم دون وجَل ودون خشية من سجن أو قتل، ويجعلهم أئمة وقادة، ويجعلهم الوارثين لما كان في أيدي الطغاة الظالمين.

إن إرادة الله نافذة وجارية لا تقف لها إرادة، ولا يمنعها شيء مهما كبُر واقتدر، فكل ما سواه تعالى خاضع له، يريد، ويريد الله، ثم لا يكون إلا ما يريد الله، ومن أصدق ما يشهد لهذه الحقيقة الحتمية ما تتحدث عنه الآية الكريمة.

لقد كان المستضعفون من قوم موسى موردًا لإرادتين اثنتين:

إرادة الطاغية فرعون، الذي كان يملك مصر كلها، ويملك ما لا يملكه سواه من الإمكانيات والقدرات والقوة والجيوش والاستخبارات وكل ما يحتاجه الملك العظيم القوي والقادر، حتى إنه قد بلغ من اعتداده بقوته وعظمة ملكه وسلطانه أن ادّعى أنه رب البلاد والعباد الأعلى، ولا ربَّ سواه،

لقد “عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴿القصص: 4﴾.

فكان من إرادته بعد تمزيق النسيج الإنساني، وتقسيمه إلى طوائف، أن يقتِّل الذكور من قوم موسى المستضعفين، ويستحيي الإناث منهم، كضربة استباقية بعد تحذير تلقَّاه من أن نهاية ملكه ستكون على يد رجل منهم.

وإرادة الله سبحانه، القاضية بأن يمنَّ عليهم، ويجعلهم أئمة، ويجعلهم الوارثين، ويمكِّن لهم في الأرض، ويحقق بهم ما كان فرعون يخشاه منهم، والذي دعاه إلى تلك الضربات الاستباقية.

تلك إرادة فرعون الطاغية، ومقابلها إرادة الله تعالى، فرعون يريد، والله يريد، ثم لا يكون إلا ما يريد الله، ولكن كيف؟

ظاهر الأمور يومذاك يحمل الإنسان العادي على استبعاد أن يحدث أي تغيير لحال قوم موسى (ع)، الذين ليس لهم حول ولا قوّة، ولا يملكون من أدوات القوة شيئًا، فإنهم في منتهى الضعف، والهَوان، واستبعاد أن يحول شيء دون جريان إرادة فرعون الذي (علا في الأرض) والعلو تعبير عن القوة (المطلقة بالموازين المادية الصرفة) التي كانت لفرعون.

لكن الله تعالى الغالب على أمره، قد أجاب على ذلك الاستبعاد، لقد أرجع تغيُّر حال قوم موسى إلى إرادته سبحانه، ولم يُرجعها إلى إرادتهم هم، فلو كان الأمر راجعًا إلى إرادتهم فبالنظر إلى الاختلال العظيم في موازين القوى بينهم وبين فرعون فبعيد جدًا أن يغَيّروا حالهم، ويخرجوا من تحت نير الاستضعاف ويصيروا أئمة وارثين، أما حين يرجع الأمر إلى إرادة الله تعالى فالله يهيِّئ له الأسباب، ويحققه من حيث لا يذهب إليه وَهْمٌ، وبطرق مدهشة عجيبة.

وهذا ما حدث بالفعل، فعندما نطَّلع على مجريات الأحداث التي ذكرتها الآيات التالية للآية التي بين أيدينا، وكيف قدَّر الله الأمور، نرى فيها العجَب العُجاب، ونرى كيف تحقَّقت إرادة الله في موسى وفي قومه من بعدُ من طُرُق عجيبة غريبة مدهشة.

مِمّا لا شك فيه أن إرادة الله تعالى في المنِّ على المستضعفين وتوريثهم الأرض وتمكينهم فيها لا تقتصر على قوم موسى، بل هي سُنَّة ربانية جارية أبدًا ما دام في الأرض مستكبرون طغاة، ومستضعفون مؤمنون، وأن الله يجري إرادته بطرق مدهشة، وإن كان المستضعفون المعاصرون يرون اختلالًا في موازين القوى لصالح الطغاة الظالمين.

إنّ الطغاة يظنّون أنّ السيطرة على أسباب القوّة الظاهرة تكفي لضمان بقاء سلطانهم، ولذلك يسعون دائمًا إلى احتكار القوّة، وتفكيك المجتمعات، وبثّ الخوف في النفوس، وإشعار المستضعفين بأنهم عاجزون عن التغيير، وأن لا مستقبل لهم إلا البقاء تحت سلطان القهر والهيمنة،

غير أنّ القرآن الكريم يكشف أن الطاغية مهما بلغ من القوّة، فإنّ قوّته تبقى محدودة ضمن السنن التي أجراها الله تعالى في هذا الكون، وأنّ أعظم نقطة ضعفٍ في الطغاة أنهم يتوهّمون أنهم يملكون زمام التاريخ، بينما الحقيقة أن التاريخ كلّه يجري تحت عين الله وتدبيره وإرادته.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال