جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف بين هدير الملاعب ودويّ المدافع.. هل تضيع البوصلة أم نتقن التوازن؟!

بين هدير الملاعب ودويّ المدافع.. هل تضيع البوصلة أم نتقن التوازن؟!

حجم الخط

 


أ. محمد البحر المحضار ||


هل يمكن للإنسان أن يفرح بهدفٍ في ملعب وهو يحمل في قلبه همّ القدس وفلسطين؟

وهل متابعة بطولة رياضية تعني بالضرورة الغفلة عن قضايا الأمة ومصير المنطقة؟

وهل الترفيه المشروع يتعارض مع الوعي السياسي والانتماء لقضايا الحق والعدالة؟

وأين الحد الفاصل بين المتعة المباحة وبين اللهو الذي يصنع الغفلة ويستهلك الإنسان؟

منذ الإعلان عن ابتداء بطولة كأس العالم لكرة القدم وما يصاحبها من حماسٍ رياضي وتفاعلٍ جماهيري، برزت أصوات متباينة؛ فمن الناس من اندفع في متابعتها حتى جعلها شغله الشاغل ومحور يومه وليلته، ومن الناس من ذهب إلى الطرف الآخر فهاجم كل متابع أو مهتم، وصوّر الأمر وكأن مشاهدة مباراة كرة قدم تعني التخلي عن فلسطين، أو نسيان القدس، أو الانفصال عن قضايا الأمة.

والحق أن كلا الطرفين بحاجة إلى شيءٍ من التوازن.

فنحن لسنا مع أن تتحول هذه البطولة، أو أي ملهى من ملاهي الدنيا، إلى سببٍ للغفلة عن قضايانا المفصلية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وما تشهده المنطقة من تطورات سياسية وعسكرية كبيرة، وما يجري في غزة ولبنان واليمن والعراق وإيران وسائر جبهات محور المقاومة.

كما أننا لسنا مع أن تستهلك هذه البطولة الوقت والجهد والوعي حتى يضيع الإنسان عباداته وأعماله وتكاليفه ومسؤولياته الاجتماعية والثقافية والإعلامية والجهادية.

فبطولة تقام في القارة الأمريكية، وبحسب توقيتهم قد تمتد مبارياتها عندنا إلى ساعات متأخرة من الليل، بل وإلى الفجر وشروق الشمس، الأمر الذي قد يؤدي بالبعض إلى السهر المفرط، وإضاعة الصلاة، والتقصير في الوظيفة والعمل، والإضرار بالصحة، وتعطيل مصالح الناس، بل والأسوأ من ذلك أن ينقطع البعض عن متابعة قضايا أمته وأحداث منطقته، ويغيب عن كل تفاعل ثقافي وإعلامي وجهادي.

وإن وصلت الأمور إلى هذه المرحلة، فحينها تبا لكل بطولة، وتبا لكل متعة تصنع الغفلة، وتبا لكل لهو يسرق الإنسان من عبادته ومسؤوليته وقضاياه الكبرى.

لكن في المقابل، لا داعي أيضاً إلى التشدد الزائد والتعقيد المبالغ فيه، ولا إلى تخوين الناس أو اتهامهم لمجرد أنهم تابعوا مباراة أو استمتعوا بموسم رياضي مؤقت.

فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى شيء من الترويح والمتعة المباحة، ولا حرج في ذلك ما دام الأمر في حدوده المعقولة، ودون إفراط أو تفريط، ودون أن يؤثر سلباً على المبادئ والقضايا الكبرى.

ومن اللافت أيضاً أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهي الدولة المقاومة الأولى والداعم الأبرز لمحور المقاومة، والتي تخوض منذ سنوات صراعاً محتدماً ومواجهة ضروساً مع الكيان الصهيوني، وفي الوقت ذاته تخوض مواجهة سياسية وأمنية واستراتيجية مع الدولة المستضيفة للبطولة، أي الولايات المتحدة الأمريكية، لم تجد في المشاركة الرياضية تناقضاً مع ثوابتها وقضاياها، بل إن المنتخب الإيراني حاضر في هذه البطولة رغم كل الضغوط والمحاولات والمساعي التي بذلت لاستبعاد إيران أو عزلها رياضياً، والتي لم يكتب لأي منها النجاح.

وكذلك الحال في كثير من دول محور المقاومة، وعلى رأسها فلسطين التي تعيش تحت القصف والحصار والنار، ولبنان الذي ذاق من ويلات الحرب والعدوان ما ذاق، فليس ببعيد أن كثيراً من أبنائهم يشاهدون مباراة أو يتابعون بطولة أو يعيشون لحظات يسيرة من الترفيه والمتعة الإنسانية دون أن يعني ذلك تخليهم عن قضاياهم أو ضعف انتمائهم لمقاومتهم.

بل إن الجانب الإيجابي في هذه البطولات العالمية أنها تتحول أحياناً إلى منصات لإيصال الرسائل الإنسانية والسياسية.

فقد شهد العالم في أكثر من مناسبة رفع الأعلام الفلسطينية داخل الملاعب وخارجها، وصدحت هتافات التضامن مع فلسطين في المدرجات، وشارك مشجعون ومنتخبات وشعوب مختلفة في إظهار دعمهم للقضية الفلسطينية، حتى غدت فلسطين حاضرة في محفل رياضي يتابعه مئات الملايين حول العالم.

ولعل من أجمل الصور التي شاهدها العالم ما قام به المشجعون في المكسيك وكندا، وما رافق المنتخب المكسيكي ومنتخب البوسنة والهرسك من احتفالات وهتافات ورفع أعلام فلسطينية ضخمة وعملاقة، سواء في مدرجات الملاعب أو في خارجها، في مشهد إنساني ورسالي كبير يؤكد أن فلسطين لا تزال حاضرة في وجدان الشعوب، وأن الملاعب قد تتحول أحياناً إلى منابر عالمية لإيصال صوت المظلومين.

وهذا بحد ذاته أمر جميل ومهم؛ لأنه يكشف حجم الغضب الشعبي العالمي تجاه الجرائم الصهيونية، ويؤكد أن فلسطين ما زالت حاضرة في ضمير الشعوب، وأن الرواية الفلسطينية قادرة على الوصول إلى العالم حتى من بوابة الرياضة.

ونحن، في الوقت ذاته، نوقن كل اليقين ونؤمن إيماناً راسخاً بأن مثل هذه البطولات العالمية، وكثيراً من الفعاليات والأنشطة الجماهيرية الكبرى، لا تخلو من أبعاد ثقافية وإعلامية وفكرية، وأن العدو يسعى في أحيان كثيرة إلى توظيفها كإحدى أدوات «الحرب الناعمة» و«القوة الناعمة»، لتمرير بعض الأفكار والمفاهيم، أو لصرف الأنظار عن قضايا أخرى، أو للتأثير التدريجي في الوعي والقيم والاتجاهات، ولا شك أن هذه المحاولات تحقق بعض النجاحات بدرجات متفاوتة.

غير أن الإدراك لهذه الحقيقة لا يعني أن نحكم بالتحريم على كل شيء، أو أن ندين كل مظاهر الترفيه، أو أن نهاجم كل من تابع أو اهتم أو شارك، وإنما الواجب هو بناء الوعي، وتعزيز الحصانة الثقافية والفكرية والأخلاقية والدينية، وبيان مكامن الخطر للناس بلغة هادئة، وخطاب راقٍ، ومنهج عقلاني متزن، يتسم بالحكمة والكياسة والفطنة، بعيداً عن التشنج، والنقد الهدام، والطعن في النوايا، وإطلاق الأوصاف والاتهامات التي لا تزيد المجتمع إلا انقساماً وتنافراً.

ولا ينبغي كذلك أن نغفل عن وجود تغذية عكسية لا تقل أهمية؛ إذ تحولت هذه المحافل الرياضية، في كثير من المشاهد، إلى منصات عالمية للتعبير عن التضامن مع فلسطين، فارتفعت الأعلام الفلسطينية في المدرجات والساحات، وصدحت الهتافات المؤيدة للحق الفلسطيني داخل الملاعب وخارجها، بما انعكس سلباً على رواية العدو ومخططاته الدعائية، وانعكس إيجاباً لصالح قضيتنا ورسالتنا الإنسانية.

ومن هنا، فلا مانع أن يستمتع الإنسان ويتابع ويشجع ويعيش شيئاً من الترفيه المباح، ما دام ذلك يجري بوعيٍ وبصيرة واتزان، ودون انجرار خلف ما يراد تمريره من رسائل، ودون إفراط أو تفريط، ودون أي ضرر أو ضرار، ومن غير أن يكون سبباً في ضياع عبادة، أو تقصير في عمل، أو إهمال في وظيفة، أو فتور في خدمة، أو غفلة عن قضية، أو تراجع عن مبدأ ومسؤولية.

ونحن اليوم مقبلون على شهر الله المحرم، الذي يفصلنا عنه ايام معدوده، وهنا تبرز رسالتان مهمتان:

الرسالة الأولى: أن لا يتحول شهر محرم إلى مناسبة للهجوم على الناس والتشهير بهم ووصفهم بأوصاف غير لائقة بسبب متابعتهم لبعض المباريات.

فلا توجد فتوى صادرة عن مراجع التقليد تحرم أصل مشاهدة كرة القدم أو ممارستها، سواء في سائر أيام السنة أو في شهر محرم على وجه الخصوص.

نعم، لمحرم خصوصيته الأدبية والوجدانية والأخلاقية، لكن هذه الخصوصية لا تبرر التخوين ولا التصنيف ولا استغلال ذكرى عاشوراء لتصفية الحسابات أو مهاجمة الآخرين.

ومن مدرسة الإمام الحسين عليه السلام نتعلم أن نخاطب الناس بالحكمة، وأن نجادل بالتي هي أحسن، وأن ندعو إلى الخير بالرفق والأدب والخلق الحسن.

أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى أهل الرياضة ومحبي كرة القدم أنفسهم، وخاصة من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام؛ إذ لا ينبغي أن تتحول البطولة إلى هوس يطغى على موسم عاشوراء، ولا أن تكون سبباً في تعطيل حضور مجالس الذكر والعزاء أو التقصير في العبادات والشعائر الحسينية.

صحيح أن المتابعة في أصلها ليست محرمة، ولكن للمحب والعاشق للحسين عليه السلام حسابات وجدانية وأخلاقية أخرى مع هذا الشهر وصاحبه وأحداثه ومصاباته.

وعليه، إن لزم الأمر فلا بأس بالمتابعة والمشاهدة بشكل معقول ومتزن، وبالصورة التي لا تعطل الشعائر الحسينية، ولا تمنع من حضور المجالس، ولا تصرف الإنسان عن واجباته الدينية والاجتماعية.

وأما أولئك الذين قد يهاجموننا ويتهموننا بالتبرير، لا سيما وأنني من المهتمين بالشأن الرياضي وأتابع هذه البطولة وأكتب عنها، فيقول بعضهم إن هذا الكلام ليس إلا تبريراً للنفس؛ فنقول لهم: لو كنا نبرر لأنفسنا لما أكدنا مراراً على ضرورة الالتزام، ورفض إضاعة العبادات، ورفض التقصير في الأعمال، ورفض الغفلة عن الأنشطة الثقافية والإعلامية والجهادية، والتنبيه إلى مخاطر الهوس الرياضي والانشغال المفرط.

إن دعوتنا ليست إلى الإفراط، ولا إلى التفريط، كما وضحنا مسبقا، وإنما إلى الاتزان.

ويبقى سؤال يطرحه بعض المتسائلين، بل ويحاول من خلاله إيصال رسالة مفادها: بدلاً من سؤال الناس عن فوز المنتخبات وخسارتها، وتوقعات المباريات ونتائجها، لماذا لا يكون السؤال: ما نتيجة غزة مع إسرائيل؟ وما نتيجة حزب الله مع إسرائيل؟ وما نتيجة إيران وأمريكا؟ وما مصير الخليج وباب المندب ومضيق هرمز؟

وهي أسئلة في أصلها تنطلق من الحرص على قضايا الأمة وعدم الغفلة عنها.

ونحن نقول: أما في التفاصيل السياسية والعسكرية، فباب القراءة والتحليل والتقدير مفتوح، ويمكن مناقشة السيناريوهات وما قد يحدث قريباً وما قد تؤول إليه التطورات في المنطقة.

أما النتيجة النهائية والانتصار في معركة الحق والباطل، فلا مجال فيها للتوقعات ولا للشك والريب؛ لأن المؤمن لا يتعامل معها بوصفها احتمالاً، وإنما بوصفها وعداً إلهياً ويقيناً راسخاً بأن الحق لا يموت، وأن الباطل وإن انتفش وتجبر واستطال، فمصيره إلى زوال، وأن النصر في نهاية المطاف وعد الله للمؤمنين مهما طال الزمن أو قصر.

*#أما_بعد …*

فلا تجعلوا كرة القدم ديناً يُعبد، ولا تجعلوا السياسة سوطاً يُجلد به الناس.

عيشوا متعتكم في حدودها، واحفظوا بوصلتكم نحو فلسطين وقضايا الأمة، وأدوا عباداتكم وأعمالكم ومسؤولياتكم، وأحيوا شعائر الحسين عليه السلام كما ينبغي، وكونوا أصحاب وعي وبصيرة واتزان.

فالأمم العظيمة لا يصنعها قوم غافلون، ولا يصنعها أيضاً قوم يحرّمون كل ابتسامة وكل فسحة ترفيه، وإنما يصنعها أناس يجمعون بين الوعي والمتعة المسموحة والمباحه، وبين القضية والحياة، بين المسؤولية والإنسانية.


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال