حسن عبد الهادي العگيلي ||
ليس من قبيل المصادفة أن تخرج رسالة المرشد الأعلى السيد مجتبى الخامنئي إلى العلن في هذا التوقيت بالذات، ولا أن تأتي بهذا المستوى من الرصانة والعمق. فالرجل الذي قضى عقوداً في قراءة خرائط القوة الدولية ورصد تحولاتها يُدرك قبل غيره أن القيادة الحقيقية لا تعني الجمود عند موقف، بل تعني امتلاك الجرأة على إدارة التناقضات وتحويلها إلى فرص. وهذا بالضبط ما تجلّى في هذه الرسالة التاريخية التي وجّهها إلى الشعب الإيراني بشأن مذكرة التفاهم الموقّعة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
ما يلفت الانتباه في هذه الرسالة أنها لم تخرج اعتباطاً، بل جاءت ثمرةً لقراءة معمّقة ودقيقة في مجريات الواقع الإيراني بكل أبعاده الداخلية والإقليمية والدولية. فالمرشد لم يُقدّم موافقته تحت وطأة الضغط، بل أعلن صراحةً أن له من حيث الأصل رأياً آخر، وهذا الإقرار في حد ذاته يكشف عن قيادي يُعلي من شأن الشفافية مع شعبه، ويرفض الإيهام والمراوغة، ويُميّز بجلاء بين الموقف المبدئي الثابت والاجتهاد التكتيكي المتحرك. ولم تكن موافقته إذعاناً، بل كانت ثقةً مدروسةً منحها للجهاز التنفيذي الذي أدار هذا الملف بدافع الحرص وحسن النية، وهو توصيف لا يصدر عن قيادي إلا بعد تمحيص وتقييم دقيق لمسار العمل ومخرجاته.
الحنكة في توزيع الأدوار
يتجلى العمق القيادي في الرسالة بصورة لافتة حين نُمعن النظر في طريقة توزيع الأدوار بين مستويات السلطة. فقد اشترط المرشد صراحةً تعهداً مكتوباً من رئيس الجمهورية بصفته رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي، مُلزِماً إياه باسمه وباسم سائر الأعضاء بصون حقوق الشعب الإيراني وجبهة المقاومة. وهذا الاشتراط ليس تهرباً من المسؤولية، كما قد يُسارع البعض إلى الاستنتاج، بل هو تعبير عن نظام حوكمة ناضج يُحدد صلاحيات كل طرف ويُرسّخ مبدأ المساءلة المؤسسية. لقد أبقى المرشد دور الولاية حاضراً بوصفه المرجعية العليا والضامن النهائي، في حين أتاح للجهاز التنفيذي المساحة الكاملة لممارسة اختصاصاته الدستورية، وهو ما يعكس فهماً راسخاً لمعنى الدولة ومنطق إدارتها.
رسائل قوة لا رسائل تنازل
حرص المرشد على أن لا تُقرأ هذه الخطوة في أي حال من الأحوال بوصفها انكساراً أو مهادنةً من موقع ضعف. بل على النقيض تماماً فقد أكد أن الجانب الأمريكي هو من لجأ إلى هذا المسار مدفوعاً بـ”العجز والاضطرار”، وهو تأطير يُقلب موازين المبادرة ويُعيد رسم خريطة القوة في هذا التفاوض لصالح طهران. كما أن التحديد الصريح بأن الجانب الإيراني لن يخضع لأي مطالب إضافية تتجاوز الإطار المتفق عليه، يُرسي من اللحظة الأولى سقفاً واضحاً للتفاوض، ويُحوّل الرسالة إلى وثيقة مرجعية يمكن الاستناد إليها في أي مرحلة لاحقة. وفي هذا الإطار، يجيء التوضيح القائل بأن المفاوضات المباشرة المحتملة مستقبلاً لا تعني القبول بوجهة نظر العدو، تأكيداً راسخاً على أن الانخراط في الدبلوماسية لا يُلغي الثوابت ولا يُساوم على المبادئ.
ولعل أبلغ ما في هذه الرسالة من ناحية الأسلوب القيادي، هو ذلك الخيط الإنساني الدافئ الذي ينسجه المرشد مع شعبه على امتداد كلماتها. فهو لا يُبلّغ ولا يأمر، بل يُشارك ويُوضح ويُشرك. حين يقول “أنتم أبناء هذا الشعب الأبيّ وأنا خادمكم المتواضع”، فإنه لا يُصدر بياناً رسمياً، بل يُؤسّس عقداً اجتماعياً قائماً على الثقة المتبادلة والوضوح المشترك، يجعل من الشعب شريكاً حقيقياً في مسيرة القرار لا متلقياً سلبياً لنتائجه. وهذا النهج يُعزز تماسك الجبهة الداخلية في مرحلة بالغة الحساسية، ويمنح المجتمع الإيراني الأدوات المعرفية اللازمة لمواكبة الحدث وتقييمه.
لا يعني التفاؤل بهذا المسار إغفال التحديات الهيكلية التي تكتنفه. فالبنية السياسية الأمريكية بما تنطوي عليه من تعقيدات مؤسسية وتوترات داخلية، تجعل الثقة بأي التزام أمريكي رهينةً بضمانات تتجاوز حسن النوايا. وقد أثبتت التجربة التاريخية، ولا سيما ما جرى مع الاتفاق النووي عام 2015، أن واشنطن لا تتورع عن نقض تعهداتها متى أملت ذلك الحسابات السياسية الداخلية. غير أن المرشد يبدو واعياً تمام الوعي بهذه الهشاشة، وهو ما يُفسّر إصراره على صياغة تعهدات صريحة ومُلزِمة، وتحديد ضوابط التفاوض بشكل مسبق، وإشراك الشعب في هذا المسار توثيقاً وشهادةً لا تقبل التأويل. وعلى المستوى الإقليمي، فإن أي تحرك دبلوماسي لطهران سيظل خاضعاً لمعادلة دقيقة تتوازن فيها متطلبات التقارب الدولي مع مسؤوليات قيادة محور إقليمي متشعّب وهي معادلة لا يُتقن إدارتها إلا من جمع بين ثقل التجربة وسعة الأفق، وكلاهما سمة راسخة في أسلوب المرشد الخامنئي.
خلاصة
رسالة المرشد الأعلى إلى الشعب الإيراني ليست مجرد بيان توضيحي لحدث آني، بل هي نموذج في القيادة الواعية التي تقرأ الواقع بعيون مفتوحة، وتتعامل مع التناقضات بحكمة لا بعنادٍ، وتُحافظ على الثوابت بينما تتعامل مع المتغيرات بمرونة لا تخلط بين اللين والاستسلام. وما بين سطورها رسالة عميقة لكل من يُريد أن يفهم كيف تُدار الدول الكبيرة في زمن الأزمات ليس بالشعارات وحدها، ولا بالتنازلات التكتيكية وحدها، بل بذلك المزيج النادر من الصلابة المبدئية والمرونة الاستراتيجية الذي يُميّز القادة الحقيقيين عن سواهم.
