باقر الجبوري ||
كثيرًا ما يتردد في الأوساط السياسية والإعلامية تساؤل مشحون بالتشكيك: ماذا كسبت إيران من نظامها وعنادها السياسي وهي تقبع تحت وطأة الحصار منذ أكثر من (47) عامًا !
سؤال يستحق التوقف عنده ..
لكن السؤال الحقيقي والعميق الذي يجب أن يُطرح كمرآة كاشفة للواقع هو: ماذا قدمت أكثر من 47 دولة عربية وإسلامية لشعوبها وقضاياها وهي تنعم بــالرضا الغربي والانفتاح الدولي؟
المقارنة على أرض الواقع تكشف بوضوح الفرق بين دولة حوّلت الحصار إلى قوة ودول حوّلت الوفرة المالية والرخاء الاقتصادي والامني إلى تبعية استراتيجية.
●. الساحة الإيرانية (الاكتفاء الذاتي وبناء الدولة المؤسساتية):
رغم العقود الطويلة من العقوبات الاقتصادية المشددة استطاعت إيران بناء نموذج دولة يعتمد على الذات في تلبية الاحتياجات الأساسية والمتقدمة لشعبها:
* البنية التحتية والخدمات: أمنت إيران لمواطنيها شبكات النفط والكهرباء والغاز الممتدة لتغطي بلدًا بمساحة جغرافية هائلة وتعداد سكاني ضخم محققة اكتفاءً ذاتيًا يصعب زحزحته.
* السيادة الدستورية: تمتلك إيران مؤسسات دستورية ودورات انتخابية منتظمة وحراكًا سياسيًا داخليًا يمنح القرار السياسي شرعية مؤسساتية واضحة وهو ما تفتقر إليه المنظومات السياسية في أغلب دول المنطقة.
* البرنامج النووي والتقني: لم تقف العقوبات عائقًا أمام دخول إيران النادي النووي حيث وظفت برنامجها السلمي لإنتاج الطاقة النظيفة وتطوير الأبحاث الطبية وإنتاج الأدوية المتقدمة والعلاجات الحيوية لتصبح مركزًا علميًا إقليميًا.
* تطوير القدرات العسكرية في كل المجالات من تطوير البرنامج الصاروخي الى مستلزمات الحرب الالكترونية الى صناعة السلاح والذخائر وتشكيل جيش قوي وعناصر قوة اخرة ساندة له فيوأرجاء الدولة الايرانية.
●. أما الساحة العربية فهي تعيش زمن (استلاب الإرادة وتكريس التبعية للغرب)!!!
في مقابل إيران تعيش الساحة العربية ولا سيما الخليجية منها حالة من الرفاهية الاستهلاكية المقترنة بـاستلاب الإرادة السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية لصالح المنظومة الغربية:
* التبعية العسكرية والأمنية: حيث تحولت العديد من الدول العربية إلى ساحات مفتوحة للقواعد الأمريكية والغربية مرتهنة قرارها الأمني للدفاع الخارجي مستنزفةً مليارات الدولارات في صفقات سلاح مشروطة لا تمنحها حق القرار في السلم أو الحرب.
* المنهج الاستيرادي وغياب الإنتاج: فبالرغم من وفرة الثروات النفطية الهائلة فشلت هذه الدول في توطين الصناعات الثروية والتكنولوجية واقتصر دورها الاقتصادي على كونها سوقًا استهلاكية ضخمة يستورد كل شيء من الغرب مع تدوير أموال النفط عبر استثمارات ضخمة في السندات والأسواق الغربية لخدمة الاقتصاد الغربي بدلاً من بناء اقتصاد معرفي محلي مستقل.
* الهشاشة السياسية في الدول العربية: غياب الحريات السياسية والمؤسسات الدستورية الحقيقية جعل من هذه الأنظمة كيانات هشّة تخشى أي تحول ديمقراطي وتلجأ للارتماء في الحجر الأمريكي لحماية عروشها مما جعل قرارها السياسي مسلوبًا بالكامل.
●. الحقيقة الواضحة: إن ما وصلت إليه إيران اليوم من قوة وعزة وهيبة إقليمية لم يكن هبة من أحد بل ثمرة استراتيجية واضحة تعتمد بالدرجة الأولى على الخبرات الوطنية والعقول المحلية والاقتصاد المقاوم والقرار السيادي المستقل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا).
لقد أثبتت إيران أن الهيبة الدولية تُنتزع ولا تُستجدى فحينما تمتلك الدولة قرارها العسكري وتصنع سلاحها بيمينها، وتدير اقتصادها دون ارتهان لإملاءات البنك الدولي أو الإدارة الأمريكية، فإنها تفرض نفسها كرقَم صعب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية.
وفي المقابل تتهاوى السردية التي حاولت دول الخليج والدول العربية المتأمركة والمنبطحة للغرب تسويقها. فكل تلك الأبراج الشاهقة والمظاهر الخداعة لا تخفي حقيقة أنها مجرد محميات غربية مسلوبة الإرادة لا تملك من أمرها شيئًا إذا ما رفعت واشنطن غطاء الحماية عنها.
لقد تبيّن للقاصي والداني أن قطار التطور الحقيقي يسير على سكّة السيادة والاعتماد على الذات وهو الدرب الذي شقته إيران بثبات بينما بقيت العواصم التابعة تدور في فلك التبعية والاستلاب.
الخاتمة:
إن الحصار الحقيقي ليس سياجًا يفرضه العدو من الخارج بل هو عبودية طوعية يفرضها الإنسان على نفسه لصالح قوى أخرى.
لقد أثبتت التجربة أن الدول غير المحاصرة عربيًا عجزت عن بناء مجتمعات صناعية مستقلة وظل عمقها الثقافي والإنتاجي قاصرًا بينما صنعت إيران من حصارها جسرًا نحو مصافي القوى الإقليمية العظمى.
ويمكرون .. ويمكر الله والله خير الماكرين !!
