ضياء أبو معارج الدراجي
في مقال سابق، كتبت أن السيد رئيس الوزراء نجح دبلوماسياً في إسكات ترامب عندما حاول استدراجه للحديث عن جريمة اغتيال الشايب والجنرال في مطار بغداد. كان جوابكم يومها ذكياً حين قلتم إنكم لم تكونوا في موقع المسؤولية السياسية آنذاك، وإنكم جئتم للحديث عن مستقبل العراق، لا عن أحداث الماضي.
وقلت بوضوح إن هذه النقطة تُحسب لكم؛ لأنها أغلقت باباً أراد ترامب أن يفتحه لخدمة روايته.
لكن ما لم أستطع تجاوزه هو قولكم إن الجيش العراقي والجيش الأمريكي قاتلا الإرهاب معاً في خندق واحد.
وهنا أسأل بكل صراحة: أي إرهاب تقصدون؟
هل تقصدون تنظيم القاعدة؟ ففي تلك المرحلة لم تكونوا مسؤولين سياسياً.
أم تقصدون تنظيم داعش؟ ذلك التنظيم الذي أرى أن الولايات المتحدة، وخصوصاً إدارة أوباما، كانت شريكاً أساسياً في صناعته وتهيئة الظروف لتمدده إلى العراق عام 2014، بالتزامن مع مؤامرة داخلية شاركت فيها بقايا البعث. وفي تلك المرحلة أيضاً لم تكونوا في موقع القرار السياسي.
أم أنكم تتحدثون عن الإرهاب وفق التعريف الأمريكي الذي يتبناه ترامب؟ ذلك التعريف الذي يضع محور المقاومة والحشد الشعبي في خانة الإرهاب، ويبرر اغتيال قادته.
فإذا كان هذا هو المقصود، فقد أيدتم مفهوم وفكرة وكلام ترامب باغتيال الشايب والجنرال في مطار بغداد، وكذلك تم تأييد استهداف عشرات من قادة الحشد الشعبي الذين سقطوا شهداء بالقصف الأمريكي على مقراتهم أو عجلاتهم داخل الأراضي العراقية.
وإذا كنتم قد قلتم لترامب إنكم لن تتحدثوا عن الماضي لأنكم لم تكونوا مسؤولين سياسيين في تلك المرحلة، فكيف تحدثتم عن شراكة عراقية أمريكية في محاربة الإرهاب خلال مرحلة لم تكونوا فيها أيضاً في موقع المسؤولية السياسية؟
هنا تكمن المشكلة؛ فالتصريح لم يكن عابراً، بل يحمل أبعاداً سياسية وعقائدية ووطنية؛ لأن مفهوم الإرهاب ليس واحداً بين بغداد وواشنطن، وما تعتبره الولايات المتحدة إرهاباً قد يراه ملايين العراقيين رمزاً للتضحية والدفاع عن الوطن.
أنا هنا لست بصدد الهجوم أو الانتقاص، وإنما أقصد تصحيح تصريحات غير مدروسة قد تؤثر في مسار عمل الحكومة، ولا سيما في ملف مكافحة الفساد. وأنا أفرح كما يفرح كل عراقي باعتقال الفاسدين وملاحقة شبكات الفساد، وأتمنى أن تمتد هذه الحملة حتى آخر فاسد، لكن ذلك لا يمنع من الوقوف عند أي تصريح يمس الثوابت الوطنية أو يثير هذا القدر من الالتباس.
وأعتقد أن الخلل ليس في شخص رئيس الوزراء، بقدر ما هو في بعض المستشارين المحيطين به، الذين لم يحسنوا إعداد الإجابات، ولم يمتلكوا الخبرة الكافية لإخراجه من مواقف كان يمكن تجاوزها بجملة دبلوماسية أكثر ذكاءً ووضوحاً، تحفظ مصالح العراق من جهة، ولا تمس ثوابته الوطنية من جهة أخرى.
فالسياسة ليست مجرد توقيع اتفاقيات أو إدارة ملفات اقتصادية، بل هي أيضاً إدارة للكلمة، والكلمة في المؤتمرات الدولية تُحسب بميزان الذهب؛ لأنها ترسم ملامح الموقف الرسمي للدولة.
لذلك، فإن هذه النقطة تستحق توضيحاً صريحاً من رئيس الوزراء؛ لأن العراقيين من حقهم أن يعرفوا: عندما نتحدث عن الحرب على
الإرهاب، من هو الإرهاب؟ ومن الذي يملك حق تعريفه؟ وهل هو تعريف عراقي يستند إلى تضحيات أبناء هذا البلد، أم تعريف أمريكي يتغير بتغير الإدارات والمصالح؟
