جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف الدولة التي تُكافئ الضجيج… وتُعاقب الكفاءة..!

الدولة التي تُكافئ الضجيج… وتُعاقب الكفاءة..!

حجم الخط

 



طه حسن الأركوازي

في العراق ، يبدو أن بعض القرارات الإدارية لم تعد تحتاج إلى تحقيقٍ إداري ، أو رأيٍ قانوني ، أو تقريرٍ رقابي ، يكفي أحياناً أن يستيقظ أحدهم يحمل هاتفه بيد، ويُطلق بثاً مباشراً باليد الأخرى حتى يتحول بين ليلةٍ وضحاها إلى خبيرٍ في الإدارة ، ومستشارٍ في القانون ، وحَكمٍ في النزاهة ، وناطقٍ باسم الرأي العام .

أما أصحاب الكفاءة والاختصاص والخبرة ، فيقفون على الهامش يتساءلون بدهشة ، متى أصبح الضجيج مؤهلاً .؟

ومتى أصبحت المشاهدات شهادة خبرة .؟

المشكلة ليست في وجود “البلوكر” أو “الفاشينيست” ، ولا في حق أي مواطن أن يُعبّر عن رأيه ، فحُرية التعبير حقٌ دستوري لا خلاف عليه ، لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول بعض المسؤولين والوزراء إلى أسرى للضجيج الإعلامي ، فيمنحون “الترند” سُلطةً تعلو على القانون ، ويقيسون قيمة الأشخاص بعدد المُتابعين ، لا بما يحملونه من خبرة وكفاءة ونزاهة .

عندها تُختطف مُؤسسات الدولة من منطق الإدارة الرشيدة إلى منطق الاستعراض ، ويغدو المُؤثر الرقمي مرجعاً ، فيما يقف المدير والموظف النزيه وصاحب الاختصاص على هامش المشهد ، بأنتظار دولةٍ تُنصف الكفاءة قبل الشهرة .

اليوم ، لا يعاني العراق من كُثرة الأصوات ، بقدر ما يُعاني من أضطراب معايير الإصغاء ، فليس كُل من رفع صوته أمتلك الحقيقة .؟

وليس كُل مقطعٍ مصور يُمثل الرأي العام .؟ وليس كُل حملةٍ في مواقع التواصل الاجتماعي تستحق أن تُغيّر قراراً إدارياً ، أو تُسقط مديراً ، أو تُشوّه سمعته .؟

ومع ذلك ، نُشاهد أحياناً مسؤولين يتعاملون مع الهاتف المحمول وكأنه أعلى سلطةٍ إدارية ، وكأن التعليقات الإلكترونية أصبحت بديلاً عن لجان التحقيق ، والأدلة ، والإجراءات القانونية .

ولعل أكثر ما يثير الأسى أن بعض المسؤولين لا يخشون مُخالفة القانون بقدر ما يخشون أن يصبحوا مادةً لمقطعٍ مصور أو عنواناً لحملةٍ إلكترونية ، فيُقدم الموظف النزيه قُرباناً لتهدئة الضجيج ، ويُضحّى بالمدير الكفوء لإخماد موجة أنفعالٍ عابرة ، لا لأنها تستند إلى حقائق ، بل لأنها الأعلى صوتاً .

بلهجتنا العراقية نكُول: “الزيطة تُغلب الحيطة”، لكن المصيبة تبدأ عندما تتحول هذه المقولة الشعبية إلى فلسفة في إدارة مؤسسات الدولة ، فعندما يصبح الضجيج أسرع من القانون ، وتغدو الكاميرا أبلغ من السيرة المهنية ، سيكتشف كُل من يبحث عن منصب أن أقصر طريق إليه لم يعد يمر عبر الجامعة أو الخبرة أو سجل الإنجازات ، بل عبر بثٍ مباشر أو مقطعٍ يثير الجدل ، وحينها لن يكون غريباً أن يُقدم من “ما يعرف كوعه من بوعه” بوصفه خبيراً ومُنظراً ، بينما يبقى أصحاب الكفاءه الاختصاص والنزاهة ينتظرون دورهم في طابورٍ لا يصل إليه صوت “الترند”.

إن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام فحسب ، بل سرقة هيبة الدولة أيضاً ، وهيبة الدولة لا تُسرق بالسلاح وحده ، بل تُسرق عندما يتراجع القانون خطوةً أمام أشخاص مُتصيدين ، وتتراجع المؤسسة أمام الابتزاز ، ويشعر المُدير والموظف النزيه أن التزامه بالقوانين والتعليمات لا يحميه إذا قرر أحد محترفي وسائل التواصل الاجتماعي أن يجعله مادةً للإثارة .

فحين تُدار الدولة بردود الأفعال ، تُصبح المُؤسسات رهينةً لمن يملك القدرة على إثارة الرأي العام ، لا لمن يملك القدرة على إدارة الدولة ، ولا يعني ذلك أبداً التقليل من دور الإعلام أو الرقابة المُجتمعية ، فالإعلام الحر شريكٌ في كشف الفساد ، والنقد المسؤول ضرورةٌ لأي دولة تحترم نفسها ، لكن ثمة فرقاً شاسعاً بين النقد الذي يستند إلى الأدلة وإثباتات ، والضغط الذي يستند إلى الإثارة ، وبين المُطالبة بالمُحاسبة ، ومحاولة فرض الأحكام عبر حملات الإساءه والتشهير ، فالدولة التي تستبدل القانون بالترند ، والمُؤسسات بالانفعال ، لا تُصلح أخطاءها ، بل تُؤسس لأخطاءٍ أكبر .

لقد دفعت الدولة العراقية ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية لأنها كثيراً ما سمحت للعلاقات والضغوط والمصالح أن تتقدم على المعايير . واليوم ، إذا أضيف إلى ذلك الابتزاز الإلكتروني ، فإن الخطر لن يقتصر على ظُلم موظف أو إعفاء مدير ، بل سيمتد إلى تقويض ثقة الكفاءات بالدولة نفسها .

فالمدير أو الموظف الذي يشعر أن مُستقبله الوظيفي يتوقف على مزاج حملةٍ إلكترونية ، لن يعمل بثقة ، ولن يجرؤ على أتخاذ قرار ، وستتحول الإدارة إلى مؤسسةٍ تخشى الضجيج أكثر مما تحترم القانون .

أخيراً وليس آخراً … إن العراق لا يحتاج إلى دولةٍ تُتقن إدارة “الترند”، بل إلى دولةٍ تُحسن إدارة المُؤسسات .

ولا يحتاج إلى مسؤولٍ يُراقب هاتفه أكثر مما يراقب ملفات دائرته ، بل إلى مسؤولٍ يستمد قراره من القانون لا من الانفعال .

فحماية المدير والموظف النزيه ، وتحصين القرار الإداري من الابتزاز ، وتعزيز أستقلال لجان التحقيق والجهات الرقابية ، هي الخطوة الأولى نحو إستعادة هيبة الدولة.

أما إذا بقيت بعض القرارات تُكتب تحت ضغط الضجيج ، فسنجد أنفسنا أمام مُفارقةٍ مُؤلمة هي إن الدولةٌ تمتلك دستوراً وقوانين ومُؤسسات ، لكنها ما زالت تنتظر مُوافقة ذلك “المشهور” قبل أن تُطبق القانون ، وعندها سيكون الجواب أكثر مرارة ، لن يكون القرار بيد المُؤسسة ، بل بيد من يملك أعلى صوت ، وأكبر عددٍ من المشاهدات …!


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال