طه حسن الأركوازي
في العراق ، يبدو أن بعض القرارات الإدارية لم تعد تحتاج إلى تحقيقٍ إداري ، أو رأيٍ قانوني ، أو تقريرٍ رقابي ، يكفي أحياناً أن يستيقظ أحدهم يحمل هاتفه بيد، ويُطلق بثاً مباشراً باليد الأخرى حتى يتحول بين ليلةٍ وضحاها إلى خبيرٍ في الإدارة ، ومستشارٍ في القانون ، وحَكمٍ في النزاهة ، وناطقٍ باسم الرأي العام .
أما أصحاب الكفاءة والاختصاص والخبرة ، فيقفون على الهامش يتساءلون بدهشة ، متى أصبح الضجيج مؤهلاً .؟
ومتى أصبحت المشاهدات شهادة خبرة .؟
المشكلة ليست في وجود “البلوكر” أو “الفاشينيست” ، ولا في حق أي مواطن أن يُعبّر عن رأيه ، فحُرية التعبير حقٌ دستوري لا خلاف عليه ، لكن الكارثة تبدأ عندما يتحول بعض المسؤولين والوزراء إلى أسرى للضجيج الإعلامي ، فيمنحون “الترند” سُلطةً تعلو على القانون ، ويقيسون قيمة الأشخاص بعدد المُتابعين ، لا بما يحملونه من خبرة وكفاءة ونزاهة .
عندها تُختطف مُؤسسات الدولة من منطق الإدارة الرشيدة إلى منطق الاستعراض ، ويغدو المُؤثر الرقمي مرجعاً ، فيما يقف المدير والموظف النزيه وصاحب الاختصاص على هامش المشهد ، بأنتظار دولةٍ تُنصف الكفاءة قبل الشهرة .
اليوم ، لا يعاني العراق من كُثرة الأصوات ، بقدر ما يُعاني من أضطراب معايير الإصغاء ، فليس كُل من رفع صوته أمتلك الحقيقة .؟
وليس كُل مقطعٍ مصور يُمثل الرأي العام .؟ وليس كُل حملةٍ في مواقع التواصل الاجتماعي تستحق أن تُغيّر قراراً إدارياً ، أو تُسقط مديراً ، أو تُشوّه سمعته .؟
ومع ذلك ، نُشاهد أحياناً مسؤولين يتعاملون مع الهاتف المحمول وكأنه أعلى سلطةٍ إدارية ، وكأن التعليقات الإلكترونية أصبحت بديلاً عن لجان التحقيق ، والأدلة ، والإجراءات القانونية .
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن بعض المسؤولين لا يخشون مُخالفة القانون بقدر ما يخشون أن يصبحوا مادةً لمقطعٍ مصور أو عنواناً لحملةٍ إلكترونية ، فيُقدم الموظف النزيه قُرباناً لتهدئة الضجيج ، ويُضحّى بالمدير الكفوء لإخماد موجة أنفعالٍ عابرة ، لا لأنها تستند إلى حقائق ، بل لأنها الأعلى صوتاً .
بلهجتنا العراقية نكُول: “الزيطة تُغلب الحيطة”، لكن المصيبة تبدأ عندما تتحول هذه المقولة الشعبية إلى فلسفة في إدارة مؤسسات الدولة ، فعندما يصبح الضجيج أسرع من القانون ، وتغدو الكاميرا أبلغ من السيرة المهنية ، سيكتشف كُل من يبحث عن منصب أن أقصر طريق إليه لم يعد يمر عبر الجامعة أو الخبرة أو سجل الإنجازات ، بل عبر بثٍ مباشر أو مقطعٍ يثير الجدل ، وحينها لن يكون غريباً أن يُقدم من “ما يعرف كوعه من بوعه” بوصفه خبيراً ومُنظراً ، بينما يبقى أصحاب الكفاءه الاختصاص والنزاهة ينتظرون دورهم في طابورٍ لا يصل إليه صوت “الترند”.
إن أخطر أشكال الفساد ليس سرقة المال العام فحسب ، بل سرقة هيبة الدولة أيضاً ، وهيبة الدولة لا تُسرق بالسلاح وحده ، بل تُسرق عندما يتراجع القانون خطوةً أمام أشخاص مُتصيدين ، وتتراجع المؤسسة أمام الابتزاز ، ويشعر المُدير والموظف النزيه أن التزامه بالقوانين والتعليمات لا يحميه إذا قرر أحد محترفي وسائل التواصل الاجتماعي أن يجعله مادةً للإثارة .
فحين تُدار الدولة بردود الأفعال ، تُصبح المُؤسسات رهينةً لمن يملك القدرة على إثارة الرأي العام ، لا لمن يملك القدرة على إدارة الدولة ، ولا يعني ذلك أبداً التقليل من دور الإعلام أو الرقابة المُجتمعية ، فالإعلام الحر شريكٌ في كشف الفساد ، والنقد المسؤول ضرورةٌ لأي دولة تحترم نفسها ، لكن ثمة فرقاً شاسعاً بين النقد الذي يستند إلى الأدلة وإثباتات ، والضغط الذي يستند إلى الإثارة ، وبين المُطالبة بالمُحاسبة ، ومحاولة فرض الأحكام عبر حملات الإساءه والتشهير ، فالدولة التي تستبدل القانون بالترند ، والمُؤسسات بالانفعال ، لا تُصلح أخطاءها ، بل تُؤسس لأخطاءٍ أكبر .
لقد دفعت الدولة العراقية ثمناً باهظاً خلال العقود الماضية لأنها كثيراً ما سمحت للعلاقات والضغوط والمصالح أن تتقدم على المعايير . واليوم ، إذا أضيف إلى ذلك الابتزاز الإلكتروني ، فإن الخطر لن يقتصر على ظُلم موظف أو إعفاء مدير ، بل سيمتد إلى تقويض ثقة الكفاءات بالدولة نفسها .
فالمدير أو الموظف الذي يشعر أن مُستقبله الوظيفي يتوقف على مزاج حملةٍ إلكترونية ، لن يعمل بثقة ، ولن يجرؤ على أتخاذ قرار ، وستتحول الإدارة إلى مؤسسةٍ تخشى الضجيج أكثر مما تحترم القانون .
أخيراً وليس آخراً … إن العراق لا يحتاج إلى دولةٍ تُتقن إدارة “الترند”، بل إلى دولةٍ تُحسن إدارة المُؤسسات .
ولا يحتاج إلى مسؤولٍ يُراقب هاتفه أكثر مما يراقب ملفات دائرته ، بل إلى مسؤولٍ يستمد قراره من القانون لا من الانفعال .
فحماية المدير والموظف النزيه ، وتحصين القرار الإداري من الابتزاز ، وتعزيز أستقلال لجان التحقيق والجهات الرقابية ، هي الخطوة الأولى نحو إستعادة هيبة الدولة.
أما إذا بقيت بعض القرارات تُكتب تحت ضغط الضجيج ، فسنجد أنفسنا أمام مُفارقةٍ مُؤلمة هي إن الدولةٌ تمتلك دستوراً وقوانين ومُؤسسات ، لكنها ما زالت تنتظر مُوافقة ذلك “المشهور” قبل أن تُطبق القانون ، وعندها سيكون الجواب أكثر مرارة ، لن يكون القرار بيد المُؤسسة ، بل بيد من يملك أعلى صوت ، وأكبر عددٍ من المشاهدات …!
