جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف ليلة إنكسار الفساد..وصرخة الغوث ..!

ليلة إنكسار الفساد..وصرخة الغوث ..!

حجم الخط

 

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع || 


في التأريخ السياسي للدول، هناك لحظات تتحول فيها موازين القوة بصورة مفاجئة، لحظات يدرك فيها أصحاب النفوذ غير المشروع أن الحصانة التي أحتموا بها لسنوات بدأت تتصدع، وأن القانون بات يقترب منهم أكثر من أي وقت مضى، وعندها تتغير اللغة وتتغير مفاهيمها! فبعد سنوات من الثقة والغطرسة، ترتفع أصوات الإستغاثة وتبدأ محاولات الإلتفاف على العدالة.

قد تكون الليلة التي بدأت فيها حملات ملاحقة ملفات الفساد، بالنسبة للبعض، مجرد إجراءات قانونية، لكنها بالنسبة للفاسدين كانت ليلة إنكسار؛ ليلة سقط فيها وَهَم الإفلات من العِقاب، وبدأت معها مرحلة جديدة عنوانها: لا أحد فوق القانون إذا توفرت الإرادة السياسية والقضاء المستقل.

لقد إعتاد الفاسدون على بناء إمبراطورياتهم خلف جدران النفوذ السياسي والمالي والإداري وكانوا يظنون أن المال قادر على شراء الصمت، وأن العلاقات قادرة على تعطيل العدالة، وأن الزمن كفيل بنسيان الجرائم المالية التي إستنزفت ثروات البلاد لكن حين بدأت أبواب التحقيق تُفتح، إنقلب المشهد، وتحولت لغة التهديد إلى لغة الإسترحام، صرخة الغوث التي يطلقها الفاسدون اليوم ليست دفاعاً عن الوطن، ولا حرصاً على الديمقراطية أو حقوق الإنسان، بل هي صرخة خوف على إمتيازات تراكمت بطرق غير مشروعة، فمن أَعتاد إستغلال المال العام يجد نفسه اليوم أمام حقيقة لم يكن يتوقعها: أن ساعة الحساب قد تدق، ولو بعد حين.

الطريق إلى إجتثاث الفساد لا يزال طويلاً؛ فالمعركة ليست مع أفراد فقط، وإنما مع منظومات معقدة تشابكت فيها المصالح السياسية والإقتصادية والإدارية لذلك فإن نجاح أي حملة لمكافحة الفساد لا يقاس بعدد الموقوفين، بل بقدرتها على إسترداد الأموال المنهوبة، وإصلاح المؤسسات، ومنع تكرار الجريمة، ونعتقد هذا ما يروم القضاء فعله والسلطة التنفيذية من خلال (تسوية ) مع حيتان الفساد لإسترداد الأموال المنهوبة مقابل العفو المشروط.

في العراق، ينتظر المواطن أن تتحول هذه الإجراءات إلى مشروع دولة، لا إلى حملة مؤقتة تنتهي بإنتهاء الظرف السياسي؛ فالثقة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بالنتائج الملموسة التي يشعر بها الناس في حياتهم اليومية، لقد دفع العراقيون ثمناً باهظاً بسبب الفساد؛ مشاريع متعثرة، خدمات متردية، بطالة، وفقر، رغم الإمكانات الإقتصادية الكبيرة التي يمتلكها البلد، ولهذا فإن أي خطوة جادة في هذا الملف تحظى بتأييد شعبي واسع، شرط أن تكون شاملة، وعادلة، ولا تستثني أحداً.

إن ليلة إنكسار الفساد لا ينبغي أن تكون مجرد عنوان إعلامي، بل بداية لمرحلة تؤسس لثقافة جديدة، يكون فيها المنصب مسؤولية لا غنيمة، والمال العام أمانة لا وسيلة للإثراء، ويبقى السؤال الأهم: هل ستكون صرخة الغوث التي أطلقها الفاسدون بداية سقوط منظومة الفساد، أم أنها ستنجح مرة أخرى في إعادة إنتاج نفسها؟ الإجابة لن تصنعها الشعارات، بل سيصنعها القانون، وإرادة الدولة، ووعي المجتمع في حماية مشروع الإصلاح حتى نهايته.

الكاتب والباحث بالشأن السياسي أثير الشرع


تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال