كندي الزهيري ||
ليست كل جنازةٍ تشبه سواها، فهناك رجالٌ إذا غابوا ، شعرت الأمم أن صفحةً كاملةً من تاريخها قد طُويت، وأن صوتًا كان يملأ ميادين العزة قد خفت، لكن صداه بقي يتردد في ضمائر الأحرار، وحين ترى الملايين، من المحبين والمحايدين وحتى الخصوم، يقفون إجلالًا لشخصيةٍ ما، تدرك أن التاريخ لا يقف احترامًا إلا لمن صنع أثرًا يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة. في لحظاتٍ فارقةٍ من تاريخ الإنسانية، وحين تصمت الضوضاء وتتوارى صغائر الأمور، تبرز شخصياتٌ تعبر الزمان والمكان، لتفرض على العالم بأسره وقفة إجلال وتأمل. وليس الأمر مجرد رحيل رجلٍ من الرجال،
بل أفول شمسٍ أضاءت دروب المؤمنين بقضيتهم، ورحيل قائدٍ نذر عمره لفكرةٍ آمن بها حتى آخر نبضةٍ من قلبه. كان السيد الشهيد القائد علي الخامنئي (رضوان الله عليه)، في نظر محبيه، تجسيدًا لمعنى الثبات، لم يكن رجل سياسةٍ أو ثوري فحسب، بل كان مشروعًا امتد لأكثر من أربعة عقود، واجه خلالها الحصار، والعقوبات، والتهديدات، والحروب، وحملات العزل والتشويه، دون أن يبدل موقفًا أو يتراجع عن قناعته، وقف كالسنديان في وجه الأعاصير، مدافعًا عن راية الإسلام، ومؤمنًا بأن استقلال القرار وكرامة الأمة يستحقان كل تضحية.
أربعون عامًا من المواجهة كانت كفيلة بإسقاط دولٍ بأكملها، لكنه بقي ثابتًا، مؤمنًا بأن القائد الحقيقي ؛ لا يقود شعبه من خلف الجدران، بل يتقدم الصفوف، ويتحمل مع أمته مرارة الحصار قبل أن يطالبها بالصبر، ويشاركها آلامها قبل أن يدعوها إلى الصمود. وحين جاء الموعد الذي كتبه الله، لم تكن خاتمته خاتمة رجلٍ أنهكه العمر، بل خاتمة مجاهدٍ ختم حياته كما عاشها؛
ثابتًا على ما آمن به، مقدمًا نفسه وأحبته في الطريق الذي اختاره. فامتزجت دماء القائد بدماء عائلته، في مشهدٍ رآه محبوه تجسيدًا لمعنى الفداء، ورسالةً بأن القضايا الكبرى لا تُصان بالكلمات وحدها، بل بالتضحيات. إن أكثر ما يهز القلوب ليس خبر الرحيل بحد ذاته، بل إدراك أن رجلًا حمل همّ أمةٍ لعقود، قد سلّم الأمانة ورحل، تاركًا خلفه إرثًا من المواقف، وذاكرةً لا تمحوها السنون. فالرجال الذين يعيشون لأنفسهم يموتون بانتهاء أعمارهم، أما الذين يعيشون لقضاياهم فإن حياتهم تبدأ في ذاكرة الشعوب بعد رحيلهم…
لقد آمن بأن طريق العزة ليس مفروشًا بالراحة، وأن المبادئ لا تُحفظ بالمساومات، وأن راية الحق تحتاج إلى رجالٍ يثبتون عليها مهما اشتدت العواصف، ولذلك، لم يكن رحيله نهايةً لمسيرته، بل بدايةً لفصلٍ جديدٍ من حضورها في وجدان الملايين. وهكذا يلتحق، في وجدان محبيه، بقافلة الشهداء الذين جعلوا من التضحية عنوانًا، ومن الثبات رسالة، ومن الإيمان قوةً لا تنكسر، ويبقى إسمه حاضرًا كلما ذُكر الصمود، وكلما استحضرت الشعوب سيرة الرجال الذين لم يبدلوا ولم يتراجعوا حتى آخر لحظة. سيختلف الناس في قراءة التجارب السياسية،
وفي تقييم المواقف، لكن التاريخ سيظل يتوقف طويلًا أمام الشخصيات التي غيّرت مجرى الأحداث، وتركت بصمةً لا يمكن تجاوزها، وتلك هي سمة القادة الكبار؛ أنهم لا يرحلون بصمت، بل يتركون وراءهم أسئلةً، ومواقف، وذاكرةً تتناقلها الأجيال. نم قرير العين أيها السيد الشهيد علي الخامنئي( رضوان الله عليه) ، فقد كتبت بعمرك قبل دمك صفحاتٍ من الثبات، وتركت خلفك رجالًا ونساءً تعلموا أن المبادئ لا تُورث بالكلام، بل بالمواقف، وأن طريق الكرامة لا يُعبد إلا بالتضحية. سلامٌ عليك يوم جاهدت، ويوم صبرت، ويوم ارتقيت، ويوم بقي اسمك حاضرًا في ذاكرة محبيك، شاهدًا على أن الرجال قد يرحلون، لكن الرسالات التي عاشوا من أجلها لا تموت.
