محمد شريف أبو ميسم ||
لم يتفق السواد الأعظم من الشعب العراقي على خطوة إجرائية حكومية مثلما اتفق على خطوة اعتقال 47 متهماً بقضايا فساد، أملاً بإصلاح التشوهات البنيوية التي لحقت بشكل الدولة جراء تفشي ظاهرة الفساد بشكل مرعب في التشكيلات السياسية والمؤسسية والاجتماعية، والتي ألحقت الفشل بكل المحاولات الجادة للنهوض بهذه البلاد من كبوتها الناتجة عن مراحل الاستبداد والحروب والنزاعات السياسية والفوضى العارمة بعد العام 2003.
هذه الخطوة فتحت أبواب الأمل أن تلحق بها خطوات أخرى تضع حداً لتغول الظاهرة، وتعيد الثقة للناس بوجود حكومة وطنية تدافع عن أموال العراقيين ومصالح الفئات المحرومة والأجيال المقبلة، وفتحت أيضاً أبواب الأسئلة عن علاقة الولايات المتحدة بما يحدث في الداخل العراقي، بعد أن تسرب عن وسائل الإعلام أن “حملة الاعتقالات تمت بجهود مشتركة مع الجانب الأمريكي”.
فعلى الرغم من أن الاعتقالات كانت بأوامر قبض صادرة عن القضاء العراقي – فيما يمكن غض النظر عن دور الخزانة الأمريكية والبنك الفيدرالي الأمريكي في إطار ما يسمى بالتعاون المشترك وفق الاتفاقيات المتعلقة بمحاربة ظاهرة غسيل الأموال وحماية الأموال العراقية من قبل ما يسمى بالدائنين التجاريين – فإن الإشارة إلى مشاركة المحققين من مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في تدقيق ملفات الفساد وتتبع مسارات الأموال المسروقة، أمر يلفت الانتباه،
ليس لأنه يشير إلى دور أمريكي في المشهد الإجرائي وحسب، بل لأنه يوحي بنهاية لما تم التأسيس له منذ مجيء الحاكم المدني بول بريمر إلى العراق، الذي وضع مئة قانون (ساهمت جميعها في إثارة الفوضى وتكريس الفساد ونهب المال العام، ولم تساهم بأي شكل من الأشكال في التأسيس لبناء دولة القانون)، إذ كان دور بريمر واضحاً بشأن التأسيس لتطبيقات “نظرية الصدمة” التي وضعها الاقتصادي الأمريكي “ميلتون فريدمان” بهدف تدجين العقل الجمعي في المجتمعات التي تشهد التحول من نظام اقتصاد شمولي إلى نظام اقتصاد سوق تقوده الرساميل لتحل محل سلطة الدولة، وهنا ينبري السؤال بشأن جدية نهاية الفوضى والفساد.
وللبحث عن إجابة في ركام الأسئلة، لا بد من المرور على طروحات فريدمان في نظريته، الذي يقول فيها: إن “الأزمات فقط، حقيقية أو متصورة، تنتج تغيراً حقيقياً”. فعند الشروع بالتغيير في الدولة الشمولية، تعتمد الإجراءات التي يتم اتخاذها بناءً على الأفكار المتاحة في مرحلة وقوع الأزمة، تمهيداً لهيمنة سلطة رأس المال بطريقة ديمقراطية، فيكون الفساد ونهب المال العام جزءاً أساسياً من مشهد مسرح الدمى التي تحركها الخيوط المتاحة من قبيل الصراعات السياسية، والنزاعات العرقية، وأعمال العنف،
حيث يقوم منهج الصدمة على منح الفرص للطبقة الطفيلية واستغلال معطيات الفوضى لإدخال العقل الجمعي في غيبوبة الوعي.
حينها تطرح الأسئلة في ظل غياب تام للأجوبة، آنذاك يتم تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية، وهنا نجد فريدمان مقتنعاً بضرورة التحرك سريعاً، لفرض تغيير دائم قبل عودة المجتمع الذي اجتاحته الأزمة إلى “شدة وطأة ظروف ما بعد الكارثة”، فتمر التحولات نحو تشكيل الاقتصاد الليبرالي من قبيل بيع العام لصالح الخاص، وتحرير التجارة، وتمكين السلطة لرأس المال بعد أن تنضج الرساميل التي تتطفل على المال العام، في ظل الاضطرابات السياسية والأزمات المتعاقبة والذرائع القسرية لتمرير ما يسمى بالإصلاحات، وهذا ما حصل بالفعل خلال المرحلة الانتقالية التي شهدت حالة من التكيف نحو الاقتصاد الليبرالي، التي تنحسر فيه وظائف الدولة لصالح الرساميل.
وفي ظل الصراعات وحالة اللاسلم واللاحرب التي تشهدها المنطقة بعد فشل محاولة إسقاط النظام السياسي في إيران، وما فرضته النتائج بشأن توظيف الخطط البديلة لاستراتيجية الاندماج الجهوي بين دول المنطقة، أو ما يسمى بالمشروع الإبراهيمي، بات تدفق رساميل العولمة، التي تحاول أن تضع سلطة المال موضع سلطة الدولة التقليدية في الشرق الأوسط، أمراً ملحاً، في ظل مقبولية سياسية ومجتمعية تحلم بالخلاص من الفساد والمفسدين بأي شكل كان في العراق، فهل حصل التغيير الذي أوصى به “فريدمان”؟
