جاري تحميل ... مدونة المرجل

الاخبار

إعلان في أعلي التدوينة

الصفحة الرئيسية غير مصنف الدولة التي تبدأ من كرامة الإنسان

الدولة التي تبدأ من كرامة الإنسان

حجم الخط

 


بقلم: الدكتورة يسرى المسعودي

عضو مجلس محافظة بغداد

هناك مفاهيم تُؤسِّس للدول، وأخرى تُؤسِّس للثقة بها. أما الكرامة الإنسانية، فهي المفهوم الذي يجمع الاثنين معاً. فحين تشعر المرأة أن حقوقها مصانة، وأن القانون حاضر قبل الخطر وبعده، فإنها لا تكتسب حماية شخصية فحسب، بل يكتسب المجتمع بأكمله شعوراً بأن الدولة تؤدي رسالتها الأساسية في حماية الإنسان.

ولهذا فإن الحديث عن المرأة لا ينبغي أن يُختزل في إطار المناسبات أو الشعارات، لأن كرامة الإنسان ليست موسماً خطابياً، بل معيار دائم تُقاس به جودة المؤسسات، ونضج الأنظمة القانونية، وفاعلية السياسات العامة.

إن المجتمعات لا تنهض عندما تتراكم فيها القوانين، وإنما عندما تتحول هذه القوانين إلى ثقافة عامة تُشعر الإنسان بأن العدالة ليست امتيازاً، وإنما حق أصيل. ولذلك فإن بناء الثقة بالمؤسسات يبدأ من المواطن البسيط الذي يدرك أن الدولة لا تنتظر وقوع الضرر لتتحرك، بل تعمل على بناء منظومة تمنع الظلم، وتحاصر أسبابه، وتفتح أبواب الإنصاف أمام الجميع.

وفي هذا الإطار، جاءت كلمة السيد رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي الدكتور فائق زيدان، في اليوم الإسلامي لمناهضة العنف ضد المرأة، لتقدم قراءة مؤسساتية هادئة لمسؤولية الدولة في حماية المرأة، بعيداً عن الانفعال، وبمنطق يربط بين قيم المجتمع وأدوات القانون، وبين المبادئ الأخلاقية والإجراءات القضائية.

إن القيمة الحقيقية لأي مؤسسة لا تكمن في قدرتها على إصدار القرارات، وإنما في قدرتها على صناعة الثقة. والقضاء، بوصفه الحارس الأخير للحقوق، يؤدي دوراً يتجاوز الفصل في الخصومات، لأنه يبعث برسالة يومية مفادها أن كرامة الإنسان ليست محلاً للتفاوض، وأن العدالة ليست استجابة ظرفية، بل التزام دائم.

وقد اختارت كثير من الدراسات الحديثة في فلسفة الدولة مصطلح “الأمن القانوني” ليكون أحد أهم مؤشرات الاستقرار. وهذا المفهوم لا يعني كثرة العقوبات، بل يعني أن يشعر المواطن بأن حقوقه محمية بقوة المؤسسات، وأن القانون يعمل باستقلال وعدالة ووضوح. وعندما يتحقق هذا الشعور، تتراجع مظاهر العنف تلقائياً، لأن الثقة بالقانون تصبح بديلاً عن اللجوء إلى القوة.

ولعل من أندر الشواهد التي تستحق التأمل ما كتبه الفيلسوف الروماني شيشرون قبل أكثر من ألفي عام حين قال: “حيث تكون العدالة، يكون الوطن.” ولم يكن يقصد حدود الجغرافيا، بل كان يقصد أن الدولة تبدأ من إحساس الإنسان بأن كرامته مصونة، وأن القانون لا يفرّق بين قوي وضعيف.

ومن هنا، فإن حماية المرأة ليست قضية تخص النساء وحدهن، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية جميع مواطنيها. فالمرأة ليست الحلقة الأضعف في المجتمع، بل هي أحد أعمدة استقراره، وكل استثمار في أمنها القانوني هو استثمار في أمن الأسرة، وفي استقرار المجتمع، وفي مستقبل الأجيال.

كما أن تمكين المرأة لا يتحقق بالخطابات وحدها، بل عبر التكامل بين التشريع، والقضاء، والتعليم، والإعلام، والثقافة المجتمعية. فهذه العناصر مجتمعة هي التي تنتج بيئة ترفض العنف قبل وقوعه، وتواجهه بحزم إذا وقع، وتمنع تكراره عبر بناء وعي يحترم الإنسان لكونه إنساناً.

إن ما أُعلن في المؤتمر الأخير لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه موقفاً آنياً، بل باعتباره جزءاً من مسار مؤسسي يرسخ مفهوماً أكثر عمقاً للدولة؛ دولةٍ تجعل الإنسان نقطة البداية والنهاية في كل سياساتها، وتؤمن بأن العدالة ليست وظيفة مؤسسة واحدة، وإنما ثقافة وطنية تشترك في صناعتها جميع السلطات ومؤسسات المجتمع.

ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن تقدمه الدول لمواطنيها ليس الشعور بالقوة، بل الشعور بالأمان. وعندما تصبح كرامة المرأة جزءاً من هذا الأمان، فإن الدولة تكون قد قطعت شوطاً حقيقياً في بناء مجتمع أكثر عدلاً، وأكثر استقراراً، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل.

تعديل المشاركة
Reactions:
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إعلان أسفل المقال