سلام جاسم الطائي ||
لن يكون تشييع الشهيد القائد السيد علي الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه) في العراق مجرد محطة لوداع قائدٍ استثنائي، بل سيشكّل حدثًا سياسيًا ورمزيًا يعكس طبيعة العلاقة التي نشأت بين الإمام القائد وشعوب المنطقة، ولا سيما العراق الذي ارتبط اسمه بمحطاتٍ مفصلية من تاريخه الحديث. فمراسيم التشييع، بما تحمله من حضور جماهيري ورسائل سياسية، لا تُقرأ بوصفها طقسًا جنائزيًا فحسب، وإنما باعتبارها إعلانًا متجددًا عن استمرار النهج الذي مثّله، وتجديدًا للعهد مع المبادئ التي ارتبط بها طوال مسيرته في حماية المستضعفين والوقوف إلى جانبهم ضد قوى الاستكبار العالمي.
لقد رحل الإمام جسدًا، وبقي منهجًا عملاقًا، وفكرًا نيّرًا لا تطويه الأيام؛ فهو الذي حمل راية الإسلام العزيز بثباتٍ ورسوخٍ لا تزعزعه العواصف لعقودٍ طويلة، متحديًا ببأسه الحيدري عتاة الأرض وجبابرتها، ومحتضنًا حركات المقاومة بروح الأبوة واليقين، ومدافعًا صنديدًا عن حقوق المظلومين والمستضعفين في كل بقاع الأرض.
إن غيابه ثُلمةٌ في الإسلام لا يسدها شيء، وخسارةٌ فادحة للأنفس الأبية، لتكتب مراسم التشييع بمداد الوفاء أطول مأتمٍ وأعظم وداعٍ يشهده العصر الحديث.
وفي الوعي العراقي، لا يُنظر إلى هذا التشييع بوصفه وداعًا لشخصية دينية وسياسية فحسب، بل بوصفه مناسبةً لاستذكار مرحلةٍ كاملة من التحولات التي شهدتها المنطقة، وما رافقها من مواقف ودعمٍ لقضايا مصيرية، وفي مقدمتها دعم قوى المقاومة، ومواجهة التنظيمات الإرهابية، والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية. ومن هنا، فإن مشاركة العراقيين في مراسم التشييع تعبّر عن وفاءٍ لمسيرة تجاوزت حدود الجغرافيا والسياسة إلى فضاء الانتماء العقائدي والمصير المشترك.
وستحمل الحشود التي ستستقبل الجثمان الطاهر رسالةً تتجاوز الحزن الإنساني إلى التأكيد على أن اغتيال القيادات لا يعني نهاية المشاريع التي حملتها، وأن الأفكار التي تتجذر في وجدان الشعوب تمتلك قابلية الاستمرار وإعادة إنتاج نفسها في كل مرحلة. لذلك، فإن التشييع يتحول إلى مناسبة لإظهار التماسك العقائدي، وإعادة تأكيد الالتزام بالثوابت التي شكّلت هوية محور المقاومة خلال العقود الماضية.
وسيقول العراقيون، وهم يشيعون شهيدهم القائد، إن حضوره لم يكن عابرًا، وإن مواقفه لم تكن استجابةً لظروف مؤقتة، بل كانت جزءًا من مشروعٍ استراتيجي ترك أثره في معادلات المنطقة. لذلك، فإن غيابه الجسدي لا يعني غياب تأثيره، لأن الأثر الذي يتركه القادة يُقاس بما يرسخونه من أفكار، وما يؤسسون له من مؤسسات، وما يخلّفونه من إرادةٍ قادرة على مواصلة الطريق.
وبذلك، لن يكون التشييع خاتمةً لمسيرة قائد، بل بدايةً لمرحلة جديدة يسعى فيها المؤمنون إلى تحويل الوفاء من شعورٍ وجداني إلى التزامٍ عملي، ومن ذكرى إلى مشروعٍ مستمر، ومن الحزن على الغياب إلى الإصرار على مواصلة الطريق، انطلاقًا من قناعةٍ راسخة بأن الرجال يرحلون، أما المبادئ التي آمنوا بها فإنها تبقى حاضرةً في الوعي والموقف والمسيرة.
فليكن الحضور واسعًا، ولتكن المشاركة على قدر عظمة الحدث والفقدان العظيم، وليشهد العالم تشييعًا يعبّر عن حجم المحبة والوفاء، ويليق بالعراق وأهله، وبأصحاب المواكب الحسينية، وخَدَمة الإمام الحسين (عليه السلام)، والعشائر العراقية الكريمة، وكل من يشارك في هذه المناسبة، ليبقى هذا اليوم شاهدًا على أن الوفاء لا ينتهي برحيل الرجال الأوفياء، بل يبدأ معهم عهدٌ جديد من حفظ الإرث، وصيانة المبادئ، ومواصلة المسيرة
