حسن عبد الهادي زاير العگيلي
منذ سنوات وأنا أؤمن بأن الحكومات لا تُقاس فقط بما تنجزه من مشاريع، ولا بما تصدره من قرارات، وإنما أيضاً بما تبثه من طاقة نفسية في المجتمع. فالدولة لا تُدير الاقتصاد والأمن والخدمات فحسب، بل تُدير المزاج العام للأمة. وكل مسؤول رفيع يمثل رسالة يومية للمواطن؛ إما أن يمنحه الثقة، أو يغرس في نفسه الخوف واليأس.
ولذلك فإن أخطر ما يواجه حكومتكم اليوم ليس الأزمة المالية، ولا تعقيدات الإدارة، وإنما العقول التي تتحدث إلى الشعب بلغة العجز قبل أن تتحدث إليه بلغة الحلول.
لقد تابع العراقيون تصريحات عدد من المسؤولين خلال الأيام الماضية، فوجدوا أنفسهم أمام خطاب يغلب عليه الإحباط أكثر مما يغلب عليه الأمل.
وحين يخرج وزير الصحة ليقول إنه يجلس معكم حتى الرابعة فجراً من أجل التفكير في كيفية توفير الرواتب، فإن المواطن لا يسمع قصة عن الجهد والإخلاص، وإنما يسمع أن الدولة أصبحت تُدار بمنطق ردود الأفعال، وأنها فقدت الرؤية الاستراتيجية لإدارة الأزمات. فالدول لا تُبنى بالسهر على معالجة أزمة كل يوم، بل تُبنى بمؤسسات تخطط لسنوات قادمة، وتسبق الأزمات قبل وقوعها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصبح الناطق الرسمي باسم الحكومة، في كثير من إطلالاته، يعكس حالة واضحة من الإرهاق والقلق والإحباط. والناطق الرسمي ليس موظفاً عادياً ينقل الأخبار، بل هو الواجهة النفسية للدولة. فإذا ظهر متردداً أو محبطاً أو مثقلاً بالأزمات، فإن هذه المشاعر تنتقل مباشرة إلى ملايين المواطنين، فيترسخ لديهم الاعتقاد بأن الحكومة نفسها فقدت الثقة بقدرتها على تجاوز التحديات.
إن الشعوب تستمد قوتها من لغة قادتها. والناس لا يطلبون من المسؤول أن ينكر وجود المشكلات، وإنما ينتظرون منه أن يتحدث بثقة، وأن يقدم رؤية، وأن يمنحهم سبباً للتفاؤل. أما تكرار الحديث عن الأزمات والعجز، فإنه يحول الإحباط إلى ثقافة عامة، ويجعل المواطن يشعر بأنه يعيش داخل دولة فقدت زمام المبادرة.
جناب الاخ الزيدي…
القائد الحقيقي لا ينقل القلق إلى شعبه، بل يمتص قلق الناس ويعيد إليهم الثقة. هذه هي فلسفة القيادة في كل دول العالم.
وأقولها لكم بكل احترام: أنتم محاطون بطاقة سلبية. بعض من حولكم لا يرى إلا العقبات، ولا يتحدث إلا عن الصعوبات، ولا يقدم للرأي العام إلا توصيفاً للمشكلات، وكأن وظيفة المسؤول أن يشرح الأزمة، لا أن يقود المجتمع نحو تجاوزها.
العراق لا يعاني من نقص في الكفاءات، بل من ضعف في استثمارها.
لدينا خبراء عراقيون في الداخل والخارج يقودون مؤسسات مالية وإدارية وبحثية عالمية، ولدينا عقول وطنية تمتلك حلولاً حقيقية في الإصلاح المالي والإداري وإدارة الموارد العامة. فلماذا لا تُفتح أبواب الدولة أمامهم؟ ولماذا لا يُنشأ مجلس استشاري وطني يضم هذه الكفاءات، بعيداً عن الحسابات الحزبية والمحاصصة؟
كما أن الاستعانة بمراكز الدراسات والبحوث الدولية المتخصصة في الإصلاح المالي والإداري ليست انتقاصاً من السيادة، بل ممارسة تلجأ إليها الدول التي تبحث عن أفضل الحلول. فالعالم مليء بالتجارب الناجحة، والحكمة تقتضي أن نستفيد منها لا أن نكرر أخطاءنا.
وأقولها بصراحة: إذا كان بعض الوزراء لا يرى سوى الأزمة، فابحثوا عمّن يرى الحل. وإذا كان بعضهم لا يجيد إلا تفسير الفشل، فأفسحوا المجال لمن يستطيع صناعة النجاح. فالمواطن لا يريد أن يسمع حجم المشكلة كل يوم، بل يريد أن يرى طريقاً واضحاً للخروج منها.
إن العراق اليوم بحاجة إلى حكومة تبث الأمل، لا إلى حكومة تنقل القلق. بحاجة إلى وزراء يصنعون المبادرة، لا يكتفون بإدارة الأزمات. وبحاجة إلى قيادات تؤمن بأن المستقبل يُبنى بالإرادة والعلم والكفاءة، لا بتكرار الاعتذار عن الإخفاق.
هذه ليست رسالة نقد، بل رسالة محبة لوطن يستحق أفضل مما هو عليه، ونصيحة أضعها بين أيديكم، لأنني ما زلت أؤمن أن العراق يمتلك من الطاقات والعقول ما يجعله قادراً على النهوض إذا أُحسن اختيار الرجال، وأُحسن الإصغاء إلى أهل الخبرة والكفاءة.
