ضياء ابو معارج الدراجي ||
علم العراق هو علم الفخر والشرف، وهو العلم الذي رفرف فوق ميادين القتال عندما سحقت القوات الأمنية والحشد الشعبي تنظيم داعش صاحب الرايات السوداء وقبله القاعدة. وهو أيضًا العلم الذي أصبح كفنًا لكل شهيد ارتقى دفاعًا عن هذا الوطن، يُلف به تابوته، ويُصلّى عليه، ثم تكون زيارته لأمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام آخر محطاته قبل أن يُوارى الثرى.
ولهذا العلم مكانته وهيبته وقداسته الوطنية، وله المناسبات التي يُرفع فيها بكل احترام وتقدير، ولا يختلف اثنان على رمزيته لدى العراقيين.
لكن العراق ليس دولة بلا تاريخ أو هوية اجتماعية، بل هو مهد الحضارات، وأرض السومريين والكلدانيين، وبلد توارث أهله الأعراف والتقاليد جيلاً بعد جيل. ومن تلك الأعراف أن العشائر، عندما تتوجه لتقديم العزاء إلى شيخ عشيرة أو سيد جليل أو إلى أهل شهيد، تدخل مجالس العزاء بالعراضة والهوسات، وترفع راية عشيرتها إعلانًا عن حضورها ومواساتها، ولم يكن من تقاليد العراقيين أن تُرفع راية الدولة في تلك العراضات، لأن لكل مقامٍ رموزه وأعرافه.
فإذا كان هذا هو حال مجالس عزاء الناس، فكيف إذا كان العزاء هو عزاء الإمام الحسين عليه السلام؟
إن كل موكب خدمة على طريق “يا حسين” هو مجلس عزاء حقيقي، يقدم الطعام والشراب والراحة للملايين من المعزين، تمامًا كما كانت ولا زالت تفعل العشائر العراقية في مجالس العزاء الخاصة. وما زلت أتذكر، منذ طفولتي، كيف كانت مجلس عزاء اهل المتوفي تُؤثث بجهود أهالي المنطقة جميعًا؛ ففي سبعينيات القرن الماضي كان كل بيت يقدم جسادة أو جسادتين لتأثيث الجادر، ثم في الثمانينيات، ومع انتشار الأثاث الخشبي، كانت البيوت تخرج أثاث غرف الاستقبال بالكامل ليُنقل إلى الجادر ويجلس عليه المعزون، بينما تُفتح البيوت لاستقبال القادمين من المحافظات البعيدة، وتُقدم لهم وجبات الغداء والعشاء، والماء البارد، وكل مستلزمات الراحة.
إذا كنا نفعل ذلك كله في عزاء إنسان عادي، فكيف يُطلب منا أن نتقاعس عن خدمة زوار الإمام الحسين عليه السلام في أربعينيته؟
ومن هنا، فإن رفع الرايات المختلفة، سواء كانت رايات دول أو فصائل أو هيئات مشاركة، لا يعني منافسة علم العراق أو التقليل من شأنه، وإنما هو إعلان مشاركة أصحاب تلك الرايات في هذا العزاء الحسيني الكبير، ورسالة إلى العالم بأن الثورة الحسينية أصبحت ثورة عالمية تتجاوز حدود العراق.
لكن منذ سقوط نظام صدام البعث، لم يتوقف الوطنجية والارهابية عن محاولات إخماد هذه المسيرة المباركة. ففي السنوات الأولى بعد سقوط النظام تعرض الزوار إلى التفجيرات، والسيارات المفخخة، والأحزمة الناسفة، وعمليات القنص، وحتى محاولات التسميم، ومع ذلك بقيت المسيرة تكبر عامًا بعد عام، حتى أصبحت أكبر تجمع بشري سنوي في العالم، وفشلت جميع محاولات إيقافها.
واليوم، وبعد مرور ثلاثة وعشرين عامًا على تلك المحاولات الفاشلة، خرج علينا الوطنجية بخطاب جديد يردد أن البلد الذي تُرفع فيه أكثر من راية هو بلد ساقط، ثم أطلقوا حملة لرفع العلم العراقي في مسيرة الأربعين، في محاولة لإيصال انطباع بأن هذه المسيرة تعادي العلم العراقي، وهو الأسلوب نفسه الذي انتهجه حزب البعث عندما كان يمنع إقامة هذه الشعائر ويصورها على أنها تحدٍ لسلطته وحكمه.
إن المسيرة المليونية لا تُزعج إلا أعداء العراق الحقيقيين، لأنها تُفشل مشاريعهم الرامية إلى تمزيق المجتمع العراقي، وتُظهر حجم المشاركة الشعبية واتجاهاتها، وتؤكد أن هذه الشعائر أصبحت حدثًا عالميًا لا يمكن تجاهله.
ولذلك يحاولون، بكل الوسائل، إعادة إحياء أفكار النظام البعثي وإعادتها إلى الساحة السياسية، لكن هيهات لهم ذلك. وما زالوا يستحضرون حرب الثمانينيات، رغم أن نظامهم خسر خلالها مساحات من الأرض، واضطر لاحقًا إلى السعي لوقف الحرب بعد أن سقطت مناطق واسعة، منها نصف البصرة والمناطق الواقعة شرق نهر دجلة بين الكوت والعمارة، إلى أن أعلن الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه عام 1988 إيقاف الحرب وقبوله بالعودة إلى اتفاقية الجزائر التي كان صدام قد ألغى العمل بها عام 1980 بعد تمزيقها. وبعد خروجه من الأراضي الإيرانية مهزومًا عام 1982، تحول من موقع المهاجم إلى موقع المدافع، وهو يخسر تباعًا أجزاءً من الأراضي العراقية.
إن احترام علم العراق لا يكون بتحويله إلى أداة لإثارة الانقسام والفتنة، ولا باستغلال رمزيته في مواجهة شعائر دينية أو اجتماعية لها أعرافها المتوارثة، وإنما يكون بصيانة مكانته، واحترام تاريخه، وصون دماء الشهداء الذين التفوا به ككفن، ودافعوا عن العراق تحت رايته ومنهم شهداء الحشد الشعبي والقوات الامنية وفصائل المقاومة.
