عبد الجبار الجزائري ||
من أكثر الأسئلة تداولًا في الشأن العراقي: لماذا لا يكتفي الشيعة بالدولة ومؤسساتها، وهم يمثلون القوة السياسية الأكبر فيها؟ ولماذا يستمر جزء واسع من بيئتهم في احتضان خيار المقاومة، رغم مشاركتهم في الحكم منذ عام 2003؟
الإجابة لا يمكن أن تُفهم من خلال قراءة موازين القوى الحالية فقط، بل من خلال استحضار التجربة التي عاشها الشيعة خلال العقود الماضية، وما رافقها من تحديات وجودية تركت أثرًا عميقًا في وعيهم السياسي والأمني.
فبعد سقوط النظام السابق، لم تدخل الدولة العراقية مرحلة الاستقرار، بل واجهت موجات متعاقبة من العنف والإرهاب، بلغت ذروتها مع سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من البلاد عام 2014، وما رافق ذلك من مجازر وعمليات تهجير واستهداف على أساس الهوية. كما بقيت على الأراضي العراقية قوات وقواعد أجنبية، أمريكية وتركية، في ظل استمرار الخلافات حول السيادة الوطنية.
وفي الوقت نفسه، ظل ملف إقليم كردستان بما يحمله من قوات مسلحة مستقلة، وتجربة الاستفتاء على الانفصال عام 2017، حاضرًا في الحسابات السياسية والأمنية. لذلك تشكل لدى قطاع واسع من الشيعة انطباع بأن الدولة العراقية، بصيغتها التوافقية الحالية، ما زالت تعاني من محدودية قدرتها على حماية البلاد ومنع التهديدات الكبرى.
ومن هنا، يرى كثيرون أن المقاومة ليست بديلًا عن الدولة، بل تمثل في نظرهم عنصر قوة وردع يكمّلها عندما تعجز مؤسساتها عن مواجهة الأخطار. فهذه القناعة لم تتشكل بوصفها خيارًا عقائديًا مجردًا، وإنما جاءت نتيجة تجربة تاريخية مليئة بالصراعات والتهديدات.
كما أن الذاكرة الجماعية للشيعة ما تزال مثقلة بصور التفجيرات والانتحاريين وفتاوى التكفير والإبادة التي استهدفت مدنهم ومراقدهم وأسواقهم. ولهذا، فإن الخوف الذي يحكم جزءًا كبيرًا من وعيهم السياسي هو خوف من المستقبل؛ من احتمال عودة تلك التهديدات بصيغ جديدة إذا ضعفت عوامل الردع.
في المقابل، تنظر قوى سياسية عراقية أخرى إلى المرحلة الراهنة من زاوية مختلفة؛ إذ يتركز قلقها على الحاضر، وعلى طبيعة موازين القوة داخل الدولة،
وإن فهم موقف الشيعة من المقاومة يقتضي الاعتراف بأن هذا الموقف تشكل في سياق تاريخي وأمني معقد، وأن تفسيره بعيدًا عن تلك التجربة سيبقى تفسيرًا ناقصًا. فالسلوك السياسي للجماعات المستهدفة تاريخيا لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه أيضًا الذاكرة، والخوف، والتجارب التي مرت بها، وكيف تنظر إلى احتمالات المستقبل.
فالتاريخ يقول ان العراق وان كان ذو ملامح شيعية منذ الف وأربعمائة عام
ولكن الشيعة لم يستطيعوا الاستمرار بالحكم فيه لفترات طويلةوكان مصيرهم الاضطهاد والتنكيل والتعتيم على الهوية.
