طه حسن الأركوازي ||
بدافع القلق من طول أمد المواجهة ، يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي “ترامب” أتجهت إلى تضييق الخناق الاقتصادي على طهران بصورة أشد بعدما أخفقت الضغوط العسكرية والسياسية حتى الآن في إنتاج النتيجة التي تريدها واشنطن وهي إخضاع إيران لشروطها وإنهاء قدرتها على المُناورة .؟
لكن السؤال الأهم ليس هل تستطيع الولايات المتحدة إيلام إيران أقتصادياً وعسكرياً ، بل هل تستطيع تحويل هذا الألم إلى أستسلام سياسي .؟
وهنا تكمن الفجوة بين القُدرة على الضغط والقُدرة على تحقيق النتيجة ، فالتطورات الأخيرة تُؤكد أن المُواجهة دخلت مرحلة أكثر تعقيداً ، فالعقوبات الأميركية تتسع ، والضغط على صادرات النفط والشبكات المالية الإيرانية يزداد ، بينما يبقى “مُضيق هرمز” أحد أخطر أوراق الصراع في ظل أستمرار المساعي الدبلوماسية والوساطات لمنع أنزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة بلا سقف زمني واضح .
وفي تقديري ، كان على الرئيس “ترامب” أن يقرأ التاريخ الإيراني جيداً قبل أن يُراهن على أن القوة وحدها قادرة على إخضاع طهران .
فإيران ليست دولة تشكلت في العقود الأخيرة ولا مُجتمعاً يُمكن دفعه إلى الاستسلام بمُجرد رفع سقف التهديدات .
خلف الدولة الإيرانية المُعاصرة ذاكرة تاريخية طويلة لشعوب وإمبراطوريات تعرضت للغزو والسقوط ، لكنها أعادت إنتاج نفسها بعد كُل صدمة وحافظت على قدر كبير من هويتها الحضارية والثقافية والسياسية .
وما يمكن تسميته بـ«العناد الفارسي» لا ينبغي فهمه كصفة نفسية مُطلقة لشعب بأكمله ، وإنما كنتاج تاريخي لثقافة سياسية تعلمت أن البقاء لا يتحقق دائماً بمواجهة القوة بالقوة ، بل أحياناً بأمتصاص الضربة ، وإطالة الزمن ، والمناورة ، والمساومة ، وأنتظار تغير موازين القوى ، فالإمبراطوريات التي دخلت إيران بالقوة أستطاعت إسقاط عروش وإعادة رسم خرائط ، لكنها لم تتمكن بسهولة من محو الشخصية الإيرانية أو تفكيك قُدرتها على إعادة إنتاج ذاتها .
وهذه النقطة تحديداً تبدو مُهمة في فهم السلوك الإيراني الحالي ، فطهران لا تتعامل مع الصراع بأعتباره معركة قصيرة تُحسم بضربة قاضية ، وإنما بأعتباره صراع إرادات طويل الأمد ، ولذلك قد تعتبر مُجرد أستمرار الدولة والمُؤسسات والقُدرة على الرد والحفاظ على أوراق التفاوض نجاحاً في منع خصومها من تحقيق أهدافهم القصوى حتى لو كانت الكُلفة الاقتصادية والعسكرية باهظة .
وتكشف هنا الحرب الأميركية الأخيرة على إيران تناقضاً بين المواقف المُعلنة وواقع التنفيذ ، فقد سعت إدارة الرئيس “ترامب” إلى تقديم سياستها الخارجية بأعتبارها واقعية ومُنضبطة وأستراتيجية ، بينما أظهرت طبيعة التصعيد أعتماداً متزايداً على القوة والإكراه.
وفي هذا السياق ، نشرت مجلة Foreign Affairs تحليلاً لريبيكا ليسنر و ميرا راب هوبر خلص إلى أن حرب ترامب على إيران تكشف حدود ما تصفه الكاتبتان بسياسة خارجية تفتقر إلى إطار مبدئي ثابت ، والمغزى الأهم هنا أن الواقعية السياسية لا تعني أستخدام القوة لمُجرد أمتلاكها ، بل تعني معرفة حدود القوة والنتائج التي تستطيع إنتاجها ، فالمشكلة في الحساب الأميركي ليست في أمتلاك التفوق العسكري والاقتصادي ، وإنما في أفتراض أن أمتلاك القوة يعني أمتلاك النتيجة .
جميع المًُعطيات تُشير الى أن واشنطن تستطيع إيلام الاقتصاد الإيراني بقسوة ، كما وتستطيع أمريكا إسرائيل توجيه ضربات مُؤثرة إلى القُدرات الإيرانية ، لكن تحويل هذه الضغوط إلى تغيير سياسي مُستدام مسألة مُختلفة تماماً .؟
والتاريخ الحديث يُقدم درساً أكثر وضوحاً :
دول كثيرة خرجت من حروب مُدمرة ، ومن حصارات وأنهيارات أقتصادية أستطاعت إعادة بناء نفسها من تحت الركام .
وهذا لا يعني أن العقوبات والحروب بلا أثر ، بل يعني أن الألم الاقتصادي لا يتحول تلقائياً إلى أنهيار سياسي بالضروره خصوصاً عندما تتعامل الدولة المُستهدفة مع الصراع بأعتباره معركة بقاء .
أما إيران ، فتواجه اليوم ضغوطاً أقتصادية عميقة ، وتراجعاً في قيمة عملتها ، وقيوداً على صادراتها النفطية ، وأضطراباً في تجارتها الخارجية ، لكنها في المُقابل تبحث عن منافذ بديلة وتُعيد ترتيب علاقاتها التجارية ، فيما تُمثل الموانئ الباكستانية مثل كراتشي وجوادر وتشابهار خيارات يُمكن أن تمنحها مُتنفساً في مُواجهة القيود البحرية .
وهنا يصبح “مُضيق هرمز” أكثر من مُجرد ورقة إيرانية ، إنه أختبار لقُدرة جميع الأطراف على تحمل كُلفة التصعيد ، فكُلما طال إغلاق أو أضطراب حركة الملاحة أرتفعت كُلفة المُواجهة على الأسواق والطاقة والتجارة العالمية ، ولم تعد الخسائر محصورة في الجانب الإيراني .
لذلك فإن ما يجري اليوم يُمكن وصفه بأنه حرب باردة ساخنة ، فواشنطن تريد أستنزاف إيران وإجبارها على تقديم تنازلات أستراتيجية.؟
وطهران تُريد إثبات أن الضغط لا يستطيع أنتزاع أستسلامها ، بينما تتحرك إسرائيل وفق حساباتها الأمنية لمنع أذرع إيران من أستعادة قُدراتها ، من دون أن يكون واضحاً أن أياً من الأطراف يمتلك تصوراً كاملاً لشكل اليوم التالي .
وفي النهاية .. قد يكون السؤال الأكثر أهمية ليس من يمتلك الصواريخ والطائرات والعقوبات ، بل من يستطيع تحمل الزمن أكثر ، فإيران قد تخرج أضعف أقتصادياً .؟
وأميركا قد تدفع كُلفة سياسية وأستراتيجية مُتزايدة .؟
وإسرائيل قد تحقق مكاسب أمنية مرحلية ، لكن أستمرار الصراع دون أُفق سياسي سيحوّل الانتصارات العسكرية إلى أعباء أستراتيجية .
فالدرس الذي ينبغي أن يفهمه الرئيس “ترامب” هو أن كسر الخصم شيء ، وإجباره على الاستسلام شيء آخر .؟
وفي الصراعات الطويلة لا ينتصر دائماً من يملك القوة الأكبر ، بل من يعرف كيف يستخدم الزمن لمصلحته ، وقد تكون المعركة الحقيقية بين واشنطن وطهران وتل أبيب قد بدأت تتحول من حرب على الأرض إلى حرب على الإرادة ، ومن ينجح في كسر إرادة الآخر ، لا قدراته فقط ، سيكون هو من يكتب الفصل الأخير …!
